ليس في الواقع العربي الحالي ما يبعث على السرور أو التفاؤل، فجل ّ البلاد العربية مشغولة بقضاياها الداخلية. وجل هذه القضايا من النوع المتفجر، المسكون بأمراض سياسية واجتماعية مزمنة. العنوان الحقيقي والعميق لحالة المنطقة العربية أنها داخله برجليها إلى حلبة الصراع الطائفي والصراع المذهبي، وهو صراع له قابلية عالية الامتداد داخل الزمن، وداخل الجغرافية، وغير قابل للحسم، وربما ترجع أصوله المذهبية والطائفية إلى قرون خالية.
حين تحدثت مراكز الأبحاث في أميركا وإسرائيل عن مستقبل الشرق الأوسط، لخصت (رايس ) الحديث بما أسمته ( الفوضى الخلاقة)، وهو عنوان يجمع في القراءة العربية بين متناقضين، إذ كيف تكون فوضى وفي الوقت نفسه تكون خلاقة؟
لذا يمكن تحرير الفهم على أنها فوضى للعرب، وخلاقة لأميركا ونفوذها في المنطقة، وهذا هو العطاء الذي تقذفه مناطق الصراع في العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، ومصر، إذ كلما اشتدت وتيرة الفوضى، كلما توسع النفوذ الأميركي، لتوسع حاجة المتصارعين إلى التدخل الاميركي والغربي.
وفي مثل هذه الحالة توجه أميركا الصراع بين الأطراف لإنتاج المخرجات التي حددتها أميركا وشركاء أميركا في المنطقة.
إننا إذا تأملنا الحالة العراقية نجد أن بعض الأطراف العراقية تنظر إلى أميركا على أنها جزء من الحلّ، ولا تقبل أن تتعامل معها على أنها جزء من المشكلة، وما نقوله عن الحالة العراقية نقوله عن الحالة السورية، والحالة اليمنية، والحالة الليبية. وعلى هذه تحقق أميركا مصالحها وتوسع نفوذها بطلب من أبناء البلد المتصارعين معا، وتحقق أميركا ما تريد بتكاليف مالية وعسكرية قليلة.
ما نقوله عن صناعة الفوضى الخلاقة بيد أميركا، يمكن قوله عن إسرائيل ودورها في صناعة الفوضى الخلاقة ، وإشعال نيران الصراعات في البلاد العربية.
ويبدو أن من أهم المخرجات التي حققتها دولة الإحتلال وتحاول تأكيدها في هذه المرحلة، هو تحقيق حالة قبول لإسرائيل في المنطقة، والقبول بها حليفا على الأقل من تحت الطاولة، من خلال حاجة بعض المتصارعين لمساعدتها، والأمر الأخر أنها استطاعت أن تبدل أجندة البلاد العربية ليصبح الصراع المذهبي والطائفي، إضافة إلى الإرهاب في أول أجندة الاهتمام في العواصم العربية، ويتراجع الصراع العربي الإسرائيلي إلى أخر الأجندة عند جل العواصم العربية.
في ضوء غيبة الوعي العربي، والاتجاه نحو السلاح لحسم الخلافات الداخلية فإن الواقع العربي ذاهب باتجاه الأسوأ، ( أعني الصراع الطائفي والمذهبي الممتد عبر الزمن وعبر الجغرافيا) بحيث تبدو الصراعات مستعصية على الحل، وفي هذا خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية.

