الاستيطان "الإسرائيلي" هو التطبيق العملي للفكر الاستراتيجي الصهيوني الذي انتهج فلسفة أساسها الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، بعد طرد سكانها الفلسطينيين بشتى الوسائل بحجج وادعاءات دينية وتاريخية باطلة، وترويج مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وجلب أعداداً كبيرة من اليهود من مختلف أنحاء العالم، وإحلالهم بدلاً من العرب الفلسطينيين، بهدف إقامة دولة يهودية في المنطقة العربية.
وبدأت فكرة الاستيطان في فلسطين، تلوح في الأفق، في أوروبا مع بدايات العام 1695م، حيث تم إعداد خطة لتوطين اليهود في فلسطين.
وبعد ظهور الحركة الصهيونية كحركة سياسية عملية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سعت هذه الحركة إلى السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وفى عام 1870م، تم تأسـيس مسـتوطنة (مكفا إسرائيل) وتعنى أمل "إسرائيل" في لواء القدس، التي أنشأت مدرسه كانت تهدف إلى تزويد المستوطنين اليهود بالخبرة الزراعية وتقـديم التسهيلات لهم، هذا ويعتبرها المؤرخون اليهود أول مستوطنه زراعية يهودية في فلسطين.
ومع العام 1898م وصل عدد المستوطنات الإسرائيلية الزراعية إلى"22" مستوطنة، سيطرت على200 ألف دونما، ارتفعت إلى 418 ألف دونما.
وبدأ الاستيطان في فلسطين قبل العام 1948م وعلى أربعة مراحل الأولى في عهد الدولة العثمانية والثانية في مرحلة الانتداب البريطاني، والثالثة في بدأت منذ إعلان قيام "إسرائيل" وحتى عام1967م، وفيها تمكنت إسرائيل من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والاستمرار في مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات لاستقبال المهاجرين الجدد باستمرار.
أما الرابعة فكانت تسمى بمرحلة التسوية وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993م، فقد تسارعت حركة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، واستمرت أعمال تسمين المستوطنات توسيعها وصولاً إلى إقامة جدار الفصل العنصري الذي سيطرت من خلاله إسرائيل على أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية.
ويمكن تقسيم الاستيطان "الإسرائيلي" في الأراضي الفلسطينية لعدة مراحل ما بين العام (1967 – 2000) أولها:
• بداية الاستيطان:
بدأت الجرافات الإسرائيلية وقبل وقف إطلاق النار بتهجير سكان القرى العربية (يالو، عمواس، بيت نوبا) وتدميرها، بالإضافة إلى تدمير جزء من مدينة قلقيلية وبيت عوا. ولكن التدمير الذي أصاب القرى الثلاثة كان كبيراً، بحيث تم مسحها عن الأرض من أجل السيطرة على ما يزيد عن 58 كم2 من الأراضي الحرام. وتمت إقامة مستوطنة جديدة على هذه الأراضي واستغلالها للزراعة لتبدأ في الوقت نفسه عملية هدم حي الشرف في مدينة القدس لإقامة الحي اليهودي. وعلى ضوء السياسة الإسرائيلية غير الواضحة آنذاك والتي كانت ترغب في تعديل حدودي مع ضم جزء من الأراضي إلى إسرائيل (القدس، اللطرون، ومنطقة غوش عتصيون)، أما منطقة الغور فهي منطقة أمنية. وقد تطورت السياسة الاستيطانية مع تطور الوضع السياسي والرؤية الصهيونية للاستيطان.
• مرحلة 1967 – 1974:
كانت حكومة حزب العمل برئاسة ليفي أشكول وبعدها غولدا مائير قد أقامت تسع مستوطنات في غوش عتصيون وغور الأردن وهي تعادل 82% من المستوطنات التي أقيمت آنذاك وعددها 11 مستوطنة، وتشكل 8% من مجموع المستوطنات اليوم ومستوطنة واحدة على أراضي القرى العربية المدمرة (يالو، بيت نوبا، اللطرون) ولم تقم مستوطنة في الضفة الغربية أو قطاع غزة.
• مرحلة 1974 – 1977:
في هذه الفترة كانت الحكومة العمالية برئاسة رابين قد استثمرت نتائج حرب أكتوبر/ تشرين الأول في تصعيد السياسة الاستيطانية، فأقامت تسع مستوطنات جديدة وهي تشكل6,5% من مجموع المستوطنات اليوم. وارتفع عدد المستوطنين إلى 2876 مستوطنا يمثلون 0,3% من مجموع السكان بالضفة الغربية. وفي غوش عتصيون وغور الأردن أقيمت ست مستوطنات، كما أقيمت مستوطنات في منطقة القدس ومستوطنة في منطقة الضفة الغربية. ولا ننسى في هذه الفترة بأن الاستيطان في مدينة القدس قد تركز بإقامة الحي اليهودي ومستوطنات التلة الفرنسية، ونفي يعقوب، وتل بيوت الشرقية، وجيلو، وراموت، ورمات أشكول، ومعلوت دفنا.
• مرحلة 1977 – 1981:
شهدت هذه الفترة انقلاباً تاريخياً، حيث جاء إلى الحكم أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً بقيادة مناحيم بيغن، فبدأ برسم سياسة جديدة خاصة بعد اتفاق السلام مع مصر. ففي هذه الفترة تمت إقامة 35 مستوطنة جديدة شكلت 35,5% من مجموع المستوطنات اليوم، وازداد عدد المستوطنين إلى 13234 مستوطناً، وبلغت نسبة الزيادة 241%. وللمرة الأولى أقيمت مستوطنة واحدة في قطاع غزة، كما شهدت القدس في هذه الفترة أكبر حركة مصادرات للأراضي الفلسطينية في المنطقة الشمالية الشرقية، في حين استمرت عمليات البناء وزيادة عدد المستوطنين.
• مرحلة 1981-1986:
شهدت هذه الفترة تحركاً يمينياً قاده عتاة الليكود ممثلين ببيغن وشامير، فأقيمت 43 مستوطنة شكلت 31% من مجموع المستوطنات آن ذاك. وارتفع عدد المستوطنين إلى 28400 مستوطن بزيادة بلغت 115%. وشكل المستوطنون ما نسبته 2,2% من مجموع عدد السكان الفلسطينيين البالغ آنذاك 1294700 نسمة. وقد أقيم 53% من هذه المستوطنات في مناطق مكتظة بالسكان في نابلس ورام الله، و32,5% من هذه المستوطنات أقيم في قطاع غزة وجبل الخليل، و14% في غور الأردن، ومستوطنة واحدة أقيمت في منطقة غوش عتصيون الموسعة.
• مرحلة 1986 – 1988:
تشكلت في هذه الفترة حكومة ائتلافية من الحزبين الكبيرين، وأقيمت 27 مستوطنة تشكل 20% من مجموع المستوطنات، وارتفع عدد المستوطنين إلى 69500 مستوطن بزيادة 14%، وارتفع عدد المستوطنين إلى 4,4% من مجموع السكان الفلسطينيين. فمنطقة القدس شهدت إقامة مستوطنات جديدة أهمها بسكات زئيف الشمالية والجنوبية، في حين شهدت منطقة الضفة الغربية إقامة 59% من هذه المستوطنات في منطقة نابلس ورام الله بالقرب من المناطق العربية كثيفة السكان، فأصبحت نسبة المستوطنين إلى الفلسطينيين 29,6% في قطاع غزة وجبل الخليل. أما غور الأردن فقد حصل على 11% مع غوش عتصيون. • مرحلة 1988 – 1990: استمرت الحكومة الائتلافية الإسرائيلية في سياسة الاستيطان، فأقيم في هذه الفترة خمس مستوطنات شكلت 3,6%، وارتفع عدد المستوطنين إلى 81200، وبلغت نسبتهم 2% من مجموع السكان في الضفة الغربية. وتوزع بناء المستوطنات في هذه الفترة إلى ما يلي: 3 مستوطنات في منطقة رام الله، وواحدة في جبل الخليل، وواحدة أيضا في غوش عتصيون.
مرحلة 1990-1992:
اشتدت الحركة الاستيطانية في هذه الفترة بعد أن رأس الحكومة الإسرائيلية الليكودي إسحاق شامير الذي كان يجسد الفكر الصهيوني الاستيطاني، فقد أقيمت سبع مستوطنات شكلت 5% من مجموع المستوطنات آن ذاك، وارتفع عدد المستوطنين إلى 107 آلاف مستوطن، فصارت نسبتهم 5,3% من المجموع العام لسكان الضفة الغربية. وقد توزعت إقامة المستوطنات في جميع أرجاء الضفة الغربية ما عدا منطقتي رام الله وغور الأردن.•
• مرحلة 1992 – 2000:
واصلت الحكومات الإسرائيلية العمالية والليكودية سياسة توسيع الاستيطان وفتح الشوارع الالتفافية، وإصدار الأوامر العسكرية القاضية بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية. واستمر التوسع الاستيطاني في مناطق محددة أكثر من مناطق أخرى وذلك بغية تنفيذ الرؤية الإسرائيلية للمرحلة النهائية للحدود والمستوطنات. واستناداً إلى تقارير حركة السلام الآن، فقد تزايد عدد المستوطنين منذ عام 1992 من 107 آلاف مستوطن إلى 145 ألف مستوطن في نهاية حكومة العمل برئاسة بيريز، كما تم بناء أو استكمال بناء عشرة آلاف وحدة سكنية، وأقيمت ضمن مفهوم القدس الكبرى أربعة آلاف وحدة سكنية جديدة.
واستمر الاحتلال بحربة الاستيطانية ضد المدينة المقدسة حتى يومنا هذا من خلال الإعلان عن بناء بؤر استيطانية جديدة وتوسعة مستوطنات والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية حيث كشف معطيات رسمية مؤخراً أن دولة الاحتلال تسيطر على أكثر من 85 في المائة من أرض فلسطين التاريخية.

