مصطفى الصوَّاف
تمر مدينة القدس بحالة غير مسبوقة من التهديد، وتحتاج لتحرك نوعي وهبة جماهيرية عربية وإسلامية مختلفة، فما قامت به جامعة الدول العربية على استحياء لا يرقى لمستوى الحدث، ولم يكن سوى لقاء على مستوى المندوبين للدول العربية في الجامعة العربية، ولكن الأمر كان يستوجب أن يكون اللقاء على مستوى أعلى، أقله كلقاء تمهيدي على مستوى وزراء الخارجية تمهيداً لعقد قمة عربية تخصص للقدس من أجل مناقشة جادة للتهديدات الصهيونية التلمودية التي وصلت إلى ذروتها في الأيام الأخيرة، وبات المسجد الأقصى مهدد بالانهيار والمدينة بأكملها عرضة للتهويد وطمس معالمها الإسلامية.
المحزن أن هذا الاجتماع أسفر عن موقف دل على حالة الضعف التي تعتري الحالة العربية برمتها من خلال القرار الذي وصل إليه الاجتماع، وهو بتشكيل لجنة عربية لعرض موضوع الإجراءات الصهيونية في مدينة القدس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكأن القدس تحتمل أن تشكل لجنة لعرض الأمر أمام المحافل الدولية، وهذه مسألة لا تحتملها الحالة التي وصلت إليها القدس من إجراءات صهيونية مدمرة.
كان الأولى بالجامعة العربية أن تدعو إلى عقد قمة عربية سريعة وجادة، خاصة أن الآمال المعقودة على موقف الإدارة الأمريكية المتراجع والمتساوق مع الموقف الصهيوني باتت معدومة، وميتشل مبعوث أوباما إلى المنطقة، والذي وصل مؤخراً، جاء بعد أن اجتاز الحواجز الصهيونية المتعلقة بموضوع الاستيطان، والذي تراجعت عنه الإدارة الأمريكية, وبات الهم الأمريكي هو فقط كيف يعيد الطرفين الفلسطيني والصهيوني إلى طاولة المفاوضات لزرع الوهم بين الواهمين العرب المنتظرين ما يبررون به لأنفسهم للتطبيع مع العدو الصهيوني، ومع الأسف سوف يجدون من الفلسطينيين من يتساوق مع مبرراتهم، ويقدم لهم الجسر المناسب لذلك للعبور إلى التطبيع مع دولة الاحتلال.
صحيح أن الموقف العربي ضعيف، ولكن لابد من الاستمرار بتذكيرهم دائما بأن عليهم مسئوليات كبيرة تجاه فلسطين والأقصى، وعليهم أن يتحملوا مسئولياتهم وأن يقوموا بواجباتهم، ولابد من لقاء على مستوى الرؤساء والملوك لتحديد إستراتيجية تجاه القدس تتلاءم مع الحالة التي وصلت إليها المدينة من تهديد يضرب أساساتها من خلال الأفعال الصهيونية.
الحالة الإسلامية مع الأسف ليست أفضل من الحالة العربية إن لم تكن أسوأ، والدليل على ذلك استجابة منظمة المؤتمر الإسلامي لطلب سلطة محمود عباس بسحب تقرير جولدستون من مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وكأن فلسطين هي فقط مسألة تهم الفلسطينيين، وهذا أمر مغلوط لأن فلسطين أرض وقف إسلامي، وفلسطين بحاجة إلى أن يقف إلى جوارها الكل الإسلامي لأنها قضية إسلامية عربية فلسطينية.
على المستوى الجماهيري الشعبي أعتقد أن الحراك الذي حدث، أمس، الجمعة في جمعة الغضب أو نصرة القدس كان حراكا جماهيريا نعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح ولكنها لا تكفي، ويجب أن يستمر الحراك الجماهيري بعد حالة الضعف التي وصل إليها الموقفان العربي والإسلامي الرسمي.
إن الحراك الجماهيري من أجل القدس يجب أن يتواصل بشكل مستمر حتى تتشكل حالة رأي عام عربي وإسلامي، ولا نركن إلى المؤسسات الدولية التي يهرب إليها النظام العربي والإسلامي من تحمل مسئولياتهم، وإن تخلى النظام الرسمي عن مسئولياته يجب على كافة المسلمين أن لا يتخلوا عن مسئولياتهم، وأن تستمر الفعاليات لنصرة القدس حتى يتحرك النظام الرسمي شاء أم أبى، وهذا الحراك يجب أن يتصاعد بشكل متسارع، لأن الوقت لا يحتمل التأجيل، فالخطر محيط بالأقصى والقدس كما يحيط السوار بالمعصم، والانتظار أن يكون هناك موقف رسمي دون ضغط شعبي كبير يتناسب ومكانة القدس عند الله أولا ثم عند كافة المسلمين.
لا كرامة لنا والقدس تهان من شذاذ الآفاق يهود، لا كرامة لنا على مستوى الرؤساء والزعماء والملوك، وعلى مستوى التنظيمات والقوى وعلى مستوى الأشخاص والقدس على حالها مدنسة ومحتلة من يهود، ولن تعود لنا الكرامة حتى تعود القدس حرة أبية، ولن تعود الكرامة إلا إذا كان شعارنا الواقعي والعملي على الأرض ( دونك يا قدس النفس والولد والمال) عندها سنكون على يقين أن النصر قادم والتحرير قريب.
الأقصى مهدد بالهدم والتدمير، والهدف هو إقامة الهيكل المزعوم، فبالأمس منع الناس من الصلاة، وحوصر المصلون لعدة أيام خلال رباطهم في الأقصى دفاعا عنه وتصديا لسوائب الصهاينة الذين كانوا يسعون إلى اقتحام ساحات الأقصى لتدنيسها وممارسة شعوذتهم على أرض الأقصى التي بارك الله فيها من السماء السابعة وربط بينها وبين البيت العتيق في مكة المكرمة.
هل تبقى لنا كرامة لو هدم الأقصى؟ وهل سيكون هناك قيمة لأنفسنا وأولادنا وأموالنا لو تعرض الأقصى لخطر الهدم؟ عندها يكون باطن الأرض خيراً لنا من ظهرها، فهل فهمنا الدرس؟ وهل سندفع بكل ما نملك من أجل الحفاظ على المسجد الأقصى وتحرير القدس من أيدي الغاصبين الصهاينة.

