عادل أبو هاشم
ألم يحن الوقت الذي يتوجب فيه على كل فلسطيني فضح وتعرية كل البؤر والمستنقعات التي يعشعش فيها كل من ارتكب جريمة خيانة الوطن وبيعه في سوق النخاسة ..؟! إذ ليس من الدقة ولا الصدق أن نستمر في التركيز على العدو الإسرائيلي بالرغم من دوره الأساسي في الكوارث والمصائب التي حلت بشعبنا ، دون أن نلتفت إلى داخل بيتنا ومجتمعنا لنطهره من الطحالب الفاسدة والعفن ، والتائهون والضائعون بين العجز والانحراف ، والسرطان الذي ينمو وتزداد أورامه في أحشاء الأمة .!
الغريب أن تاريخ جهاد الشعب الفلسطيني خلال أكثر من قرن قد اتسخ بنفس الوجوه العفنة التي تنتمي إلى نفس الطبيعة والعقلية المريضة التي لا تحرم الإثم والانحراف وإنما تحلله وتفلسفه وتنظر له ، وتضع له القواعد والمرتكزات من خلال مصلحتها الذاتية التي ترتبط بالضرورة بمصلحة العدو فتصبح وإياه شيئـًا واحدًا .!
وكانت نهايتها الطبيعية "مزبلة التاريخ" ..!!
( والذي يبدو في الأيام الأخيرة أن شعبنا الفلسطيني يحتاج لعشرات المزابل لأزلام المقاطعة السوداء في رام الله من فريق 13 أيلول .!! )
قد يقول البعض أن هذه الوجوه تزداد ظهورًا بفعل النكسات والهزائم ، حيث يزداد التسيب والتميع ، ويكثر الاجتهاد وتتعدد وجهات النظر باسم الموضوعية والعقل المجرد ، وترتكب الخيانات ويزداد نشاط العملاء والجواسيس باسم الموضوعية وباسم العقل المجرد وعلى حساب قضايا الشعوب .!
وأن وجود مثل هؤلاء الناس أمر طبيعي داخل كل مجتمع وعند كل شعب من الشعوب ، ونحن لا ننفي ذلك في المطلق ، وقد يكون في ذلك بعض الحقيقة ، ولكن التاريخ قد علمنا أيضـًا أنه ليس هناك شعب من الشعوب ترك جواسيسه وعملاءه ومزوري تاريخه ، والمتآمرين على قضاياه المصيرية ، يمرحون ويسرحون ، ويرتكبون الإثم ويحكمون ، ويتصدرون المسؤولية في مواقع الإدارة والتوجيه وجميع مرافق الحياة العامة التي تقرر مصير الأجيال المقبلة ، مثلما نفعل نحن دون محاسبة أو عقاب ، حيث يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، وحيث يستوي أصحاب الرسالات والقيم والقضايا الوطنية ، بالتجار والمزاودين والعملاء والجواسيس ، والدجالين الذين يعبثون باستقلال الأوطان ، وشرف الأوطان ، وكرامة الأوطان ..!!
لن ندخل بالتفاصيل والأسماء المحشوة في وكر الأفاعي الذي لا تـنجو منه حقيقة من دون أن تمتلئ بالسموم .! ، ولكن نرى أنه من حقنا بل من واجبنا أن نتصدى لهذا الطابور الخامس من الخونة و المتآمرين الذين تفوقوا على العمالة نفسها و أصبحوا جزءاً من المشروع الصهيوني، بفضحها وتعريتها وكشف أسبابها ومسبباتها ، منبهين ومحذرين إلى خطورة ما قد ينشأ وما قد يتمخض عنها في بعض قطاعات الشعب الفلسطيني الذي يزداد إحساسه بالعزلة هذه الأيام ، والذي بدأ يشعر أكثر من أي وقت مضى أن منافذ العدالة قد سدت في وجهه ، والتي تتكرس اليوم وتبلغ قمتها في أروقة هيئة الأمم المتحدة التي تتـزعمها الولايات المتحدة الأمريكية التي تحاول تلخيص وتقليص القضية الفلسطينية وتصويرها ، وطرحها على أنها "قضية إرهاب" ..!!
لقد جاء سحب تقرير غولدستون بطلب من محمود عباس شخصياً ليفضح الحملة التي يقودها محمود عباس وتلاميذه من "كهنة و تنابلة حركة فتح" ورموز التواطؤ مع العدو الإسرائيلي، ورموز التنازلات للدولة العبرية ممن نصبوا أنفسهم زورا وبهتانـًا للتحدث باسم الشعب الفلسطيني ممن ارتبطت مصالحهم الشخصية بالمشروع الأمريكي ـ الصهيوني لوضع اللمسات الأخيرة علي تصفية القضية الوطنية لشعبنا .!!
العجيب أن تلاميذ "مدرسة عباس للتفريط" من دهاقنة ومنظري اتفاق أوسلو الذين أدخلونا في متاهات وزواريب أوسلو الذي جلب الخراب والدمار على شعبنا، ومن أزلام سلطة الفساد والإفساد والتفريط التي فرضت على شعبنا لأكثر من عقد من الزمان من المنتفعين، والانتهازيين، والمتسلقين، والوصوليين، و"فئران السفينة الفلسطينية" من الأفاقين، والمنافقين، ومعدومي الضمير، وفاقدي الانتماء والكرامة، وأباطرة الفساد، لم يتركوا وسيلة لتبرئة عباس إلا واستخدموها، يساندهم في ذلك مجموعة من "كتبة المارينز" و"مثقفي الردة" ودعاة الاستسلام والانبطاح للعدو الإسرائيلي.!
ونتساءل مع الآخرين : هل هذه هي الخطيئة الأولى لمحمود عباس وهوالذي حول فلسطين "الأرض والشعب والمقدسات"الى تكية له و لعائلته،وللصوص المقاطعة في رام الله .؟!
أليس هو الذي أخذ الوطن الى حرب أهلية و يحاصر ويحرض على حصار أكثر من مليون و نصف المليون من أبناء شعبه إلى درجة الموت ، بل و يطلب و يتوسل من العدو الصهيوني تدمير قطاع غزة على روؤس ابنائه لأنهم فضلوا المقاوم على المساوم .؟!
أليس هو الذي أكد بأن لا عداء بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي ؟!
وكان من قبل قد وصف نضال وجهاد ومقاومة شعبه ضد أشرس غزوة استعمارية استيطانية صهيونية عنصرية استهدفته بالإرهاب ، والعنف الغير مبرر والعدوان على المدنيين الإسرائيليين العزل الأبرياء ، وأن الفلسطينيين السبب في معاناة اليهود.!!
أليس "عباس" من استلب من شعب فلسطين كل جهاده ونضاله وتضحياته، وحرم شهداءه من شرف الشهادة، لأن هؤلاء وليس اتفاق أوسلو هم الذين كرسوا بقاء الشعب على أرضه، ودافعوا عنه ولا يزالون.
أليس هو نفس الشخص الذي لا يدرك الفرق بين المقاومة والإرهاب، وما انفك يطلق عبارات الاستنكار والتـنديد والشجب والإدانة منذ بداية انـتفاضة الأقصى المباركة في 28/9/2000م، لكل عمل مقاوم ضد العدو الإسرائيلي،بل وصل به الأمر إلى وصفه العملية الاستشهادية التي قام بها الاستشهادي البطل المجاهد سامر سامح حماد في تل أبيب بـ(الحقيرة)، وارساله رسالة الى أولمرت بعد تطهير قطاع غزة من طحالب الفساد في يونيو 2007 م يتوعد فيها " حماس " بالقتال حتى النهاية ، وقراره بحل فصائل المقاومة المجاهدة في الضفة الغربية وجمع أسلحتها دليل على ما وصل اليه هذا الرجل.؟!
أليس هوالذي اتهم الانتفاضة المباركة بالعسكرة التي أدت إلى تدمير كل ما بنته السلطة الفلسطينية.! وطالب بإنهاء الانتفاضة وتجريد الفلسطينيين من السلاح المقاوم، وو صل به الأمر إلى اتهام فلسطينيي عام 1948م بإفشال الانتفاضة وإسقاط حق عودة اللاجئين إلى ديارهم.!، واتهامهم أيضـًا بالمسئولية عن مقتل شهدائهم الثلاثة عشر الذين سقطوا في انتفاضة القدس والأقصى في شهر أكتوبر عام 2000م.؟!!
أليس هوالذي يتساوق تماماً مع المخطط الصهيو ـ أمريكي، الذي طالما تذرع بصواريخ المقاومة ليبرر حصاره الظالم لقطاع غزة ومجازره الوحشية ضد سكانه المدنيين، ووصم حركات المقاومة عموما، وحركة حماس خصوصا بالإرهاب، رغم أن مقاومة المحتل حق كفلته كل الشرائع والقوانين الدولية .؟!
أليس هوالذي ربط بين حركتي حماس وتنظيم "القاعدة"، حيث أكد على وجود تنظيم القاعدة بقطاع غزة، وتحالفه مع "حماس" التي تقوم بتسهيل عملية دخول وخروج عناصره، على حد مزاعمه، وهو أمر خطير لا يمس حركة حماس ، بقدر ما يمس أمن الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة .؟!
أليس هو نفس الشخص الذي جلب لشعبه الويلات من خلال "اتفاق أوسلو" الذي حول مسار شعبنا السياسي إلى مسار بدون هوية ، وجعل تاريخنا يبدو وكأنه سجل مفتوح للإحباط واليأس والخيانة .؟!
لقد أوصل الطريق الذي رسمه "عباس"- الذي بشرنا بقيام الدولة الفلسطينية عام 1993 م ــ الشعب الفلسطيني إلى أن يتحول رهينة لدى العدو الإسرائيلي، ليس أمامه سوى الاستجداء والتوسل للانتقال من مدينة إلى أخرى.!
وأصبح سلام الشجعان الذي وصف به اتفاقية أوسلو هو "سلام القبور المفتوحة لكل ما هو فلسطيني".!
أليس هو نفس الشخص الذي باتت الانتفاضة- في نظره- سوءة شعب يرفض الاحتلال ويقاوم الظلم ويواجه العداون، ولا بد من تغطيتها أو إزالتها أو حتى نسفها حتى ترضى الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية عنه.؟!
و نتساءل ــ أيضاً و أيضاُ ــ مع الآخرين :
من أين جاء عباس و زمرته الذين استلموا مقاديرالشعب الفلسطيني ومقاليده ، وعاثوا فسادًا في قضيته وتاريخه في غفلة من الزمن ..؟!
إن هؤلاء لم تـنجبهم أرحام فلسطينية ..!!
إن هؤلاء لم ترضعهم أثداء فلسطينية ..!!
إن هؤلاء لا يعرفون رمال شاطئ غزة الأزرق ، وحقول القمح وأشجار العنب في الخليل ، وجبال وكهوف نابلس ..!!
إنهم لم يروا حقول الألغام والأسلاك الشائكة و الحواجز أينما ولوا وجوههم في أنحاء الوطن ، أو ما تبقى من هذا الوطن .!
إنهم متعلقون ببطاقات كبار الشخصيات التي تسمح لهم بالسهر والمجون في بارات تل أبيب .!
إنهم "أحباء صهيون الجدد" الذين فاق حبهم للكيان الإسرائيلي حب جمعية "أحباء صهيون" اليهودية الذين نادوا بالعودة إلى أرض الميعاد ..!!
هؤلاء ينـتسخون وهم يأكلون لحومهم ، فكيف وهم يلتهمون لحوم الآخرين .؟!
هؤلاء لا يبدلون جلودهم ، إنهم يلبسون الجلود فوق وإلى جانب بعضها بعضـًا ، بحيث نكاد نفقد القدرة على تمييز الجلد الحقيقي .!
هؤلاء يدركون أننا أعجز من أن نستوعب دروس الحاضر ، ولهذا ينامون "باطمئنان" على الغد .!
إنهم ينفعون في أمور شتى ، وكما نؤمن بأن "رب ضارة نافعة" ، علينا أن نؤمن بأن "رب نافعة ضارة" ، ولهذا نخشى بصدق بعض ما يبدو أنه ينفع الناس.
فلا بد من أن تتشابه الأمور لتتشوه ، أو تتشوه لتتشابه ، وكأن الأهداف متساوية فعلا .!
ولهذا نقول لـ"هؤلاء" ما قاله نابليون بونابرت : "مثل من باع بلاده وخان وطنه مثل الذي يسرق من مال أبيه ليطعم اللصوص ، فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه" .!
إن عزاءنا في كل مافعله محمود عباس بشعبنا بأن هذا الشعب لا يمكن التنبؤ بما يفعل ، و لن يغفر ولن يسامح هذه المرة ، وإذا كان التـنازل والمساومة والتفريط تبدو وكأنها ردود فعل طبيعية في هذه المرحلة ، فإنها تبدو كذلك لأنها من طبيعة مرحلة الاحتلال ، ولا يعيب الشعب الفلسطيني أن يكون بعض متنفذيه ضالعين في ردود الفعل هذه ، فلقد ظهرت في حالات احتلال الأوطان عبر التاريخ فئات تـنازلت وساومت وفرطت ، ولم يكن الجنرال "بيتان" أولهم ولا آخرهم في التاريخ المعاصر ، ولكن الشعوب تعود فتطلب الثمن من كل هؤلاء مهما تأخر الزمن.

