منذ اللحظات الأولى التي أعلن فيها بأن هناك منحة قطرية سيتم صرفها للموظفين المنتسبين لحكومة غزة والمحرومين من تقاضي رواتبهم الكاملة منذ سنوات ,كان الموظفين بانتظار الموعد الرسمي لقرار صرف المنحة على اعتبار أنها راتب كامل أول يتقاضونه منذ عشرة أعوام .
المنحة المقرر صرفها لجميع الموظفين لم تسر في طريقها الصحيح بعد تلاعب جهات فلسطينية وأخرى غير عربية في أصول السجلات الرسمية التي تحوي أسماء الموظفين المنتسبين للحكومة, الطريقة التي تم بها الموافقة على بدء الصرف لم تكن عادلة للموظفين بعد حجب ما يقارب من ثلاثة آلاف موظف مدني أرجع البعض الأسباب إلى أن حجبهم جاء لأسباب أمنية مقررة من سلطة رام الله.
لأجل غير مسمى
غاب العدل تماما حتى فيمن تقاضى المنحة القطرية المقررة بعد التصريح رسمياً بأن الراتب المصروف سيبقى قيد التفعيل حتى ما مداه من شهرين إلى أربعة أشهر مقبلة دون راتب حتى حينه.
وعبر الموظفين عن امتعاضهم واستيائهم الشديد مقابل ما يتم إقراره بحقهم من حرمانهم إلى فترة غير معروف مدتها من الرواتب المقبلة إثر استفادتهم من المنحة القطرية.
الموظفة الحكومية في قطاع الزراعة سمية نصار عبرت عن خوفها وقلقها بعد تسلمها للمنحة القطرية ,بقولها :"المسؤوليات كثيرة والديون علينا طائلة ومواسم الأعياد والمدارس على الأبواب ,سيصيبنا الرخاء لفترة وجيزة جدا دون ضمان الفترة المقبلة ما بعد تلك المرحلة ,ماذا علينا أن نفعل وقتها؟".
وتحدثت نصار لـ"الرأي" عما يجول في خاطرها كما بقية الموظفين أمثالها من أصحاب المسؤوليات والاعباء الحياتية المتراكمة , :"إذا كانت منحة كهذه تريد لنا أن نقف عاجزين عن الاستمتاع والصرف بما يحلو لنا أو الخوف والريبة والقلق تجاه كل ما يتم صرفه فهذه محنة وليست منحة تتيح لنا حرية العيش حتى لفترة قصيرة جدا".
الموظفة نصار لا تمثل نفسها في هذا الحديث ولكنها تتحدث باسم كل موظف منتسب لحكومة غزة .
كالجسد الواحد
وتجسدت سياسة التفريق الواضحة بين الموظف المدني والموظف الذي أطلق عليه بأنه عسكري رغم انتسابه لقوات أمنية حارسة وحامية لأمن البلد والمواطن وهذا ينافي مصلطح "العكسري", إلا أن الجهات الرسمية القائمة على شؤون المالية بغزة حاولت أن تساوي بين الموظفين والتعويض بالصرف الراتب كاملا لجميع الموظفين.
الموظف الحكومي والطبيب في وزارة الصحة إيهاب النحال علق على موضوع المنحة القطرية بقوله :" لسنا عرضة للابتزاز ولسنا عرضة للتصنيف من هؤلاء ,صحيح أننا تحت حصار ظالم يشارك فيه ذوي القربى أكثر من أعدائنا من بني يهود ,وعندما تتعاطف معك دولة وتقدم لك منحة مالية تهدف منها دعم موظفيك للصمود تثور ثائرة كل قوى الشر الدولية والمحلية والاقليمية ساعية بكل ما أوتيت من قوة لايقافها".
ويتابع النحال الحديث عن ظلم الفئة التي ما فتئت يوما عن التراجع عن تقديم خدماتها للمواطنين :"في حين تسهل نفس هذه القوى كل شهر وصول ملايين الدولارات وبشكل منتظم لمن هم نائمون في بيوتهم لا يقدمون أدنى خدمة مقابل ما يتقاضونه من أموال ,وبذلك ترسل رسالة صريحة واضحة لأي دولة تريد المساعدة بعدم التفكير".
ووجه النحال بدوره كلمته لأبناء شعبه وللموظفين أمثاله :"نحن حاربنا العالم بأسره من أجل كرامتنا وعزة أنفسنا , ودفعنا أغلى ما نملك من أرواح ودماء أبنائنا وممتلكاتنا فداءً لكرامتنا وصمودنا , فلا يعقل أن نترك الأمواج تتحكم بنا , وإن نترك هؤلاء الخونة يتحكمون في أبنائنا ويصنفونا كيفما شاؤوا ويرفضون ويحجبون من لا يروق لهم , ويتلذذون على عذاباتنا وقهرنا, لذا نطالب باعادة النظر في أي منحة مستقبلية من أي دولة كانت".
وأكمل النحال على لسان الموظفين أمثاله بأنه على الموظفين أنفسهم فرض شروط المنحة قبل الموافقة على صرفها أو استلامها ,فالموظفين ليسو متسولين على أبواب المانحين ,فلا يمكن السماح لكل من يحاول شق الصفوف بتلاعبه الأدنى الذي يخدم به سياسة الإحتلال في خنق قطاع غزة ,فطعم الذل أقسى من الجوع بحد ذاته .
وتحت وسم "جاهزون" أعلن الموظفون عن استعدادهم لتقاسم رواتبهم مع إخوانهم الموظفين الذين لم تدرج أسمائهم ضمن المنحة القطرية، والتي تم تسليمها للأمم المتحدة كوسيط لإيصالها لغزة, التي بدورها تسلمت كشوفات الموظفين وأرسلته للاحتلال.
كان ذلك بفعل إشراف السلطة الفلسطينية في رام الله على كشوفات أسماء الموظفين المستفيدين من المنحة القطرية, مما طرأ بعض التعديلات على السجلات المقرر الصرف لأسمائها والتي حرمت قرابة ثلاثة آلاف موظف من راتبه ومن المنحة القطرية.
لذلك سجل الموظفون موقفهم بأنهم على استعداد تام باقتسام أنصاف المنحة القطرية لصالح من حرم من الصرف ,مما يسجل موقفاً عظيما في تاريخ الموظفين المنتسبين للحكومة بغزة.
ويأتي حجب آلاف الموظفين من المنحة المقرر صرفها تحت ذرائع أمنية وانتماءات سياسية إلا أن الموظفين رفضوا تلك الذرائع الوهمية على حد تعبيرهم ,معتبرين أنها مجرد سياسية لإكمال حلقة الظلم ليس اكثر.
تفاصيل كثيرة لا زالت قيد التساؤل من قبل الموظفين المحجوبين وأيضا المستفيدين من المنحة ,لكن لا إجابة واضحة في ظل انشغال وزارة المالية بغزة بصرف المنحة القطرية ,والذي يبرر إعفائها من الرد على تساؤلات الموظفين هو عدم مسؤولياتها المباشرة على تفاصيل المنحة والتي تشرف عليها السلطة الفلسطينية والجهات القطرية الداعمة والأمم المتحدة كذلك.

