أينما وليّتَ وجهك وجدت ولع الشباب بالاتصال بمواقع السوشيال ميديا في أي مكان تواجدوا فيه ,بل و الهواتف الذكية من المطالب الأساسية لأي شاب بلغ سن الخامسة عشر من عمره ,عدا عن أنه أصبح على اطلاع وخبرة عميقة بآلية استخدامها ومزاياها وسيئاتها من الناحية التقنية والضمانات المستقبيلة.
الاستقلالية التي ينفرد بها الشباب على أجهزتهم الذكية دون تولي رقيب أو حسيب على ما يشاهدون لها ما بعدها, خصوصا بعد انعدام انحصارها في وقت ومكان معينين ,فشبكات الانترنت أصبحت كما وجود المياه وأشد حاجة إليها من الكهرباء بعد أن أصبحت غير مرتبطة بوجود الأخيرة لتوفير خيارات بديلة تغني عنها تماماً.
من الواقع
الاتصال الهاتفي وسيلة اتصال هامة لا غنى عنها, إلا أنها قد تتحول إلى سبب للضياع والانحراف والمعاناة عند سوء الاستخدام من قبل الشاب ,وكان موقع المجد الأمني قد نشر عدة قصص من واقع الشباب والفتيات بعد أن وصل بهم الإنترنت إلى طريق الهاوية لسوء استخدامهم لها.
تلك فتاة ضيعتها الثقة العمياء من أهلها لها , والتي كانت تبكي بحرقة وتقول يا ليتني "مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً" ,ثم استرجعت أنفاسها , قائلة:" لقد كنت ضحية الثقة العمياء من الأهل, أملك هاتفاً ثابتاً في غرفتي وجوالاً في يدي وحرية في التنقل بلا رقيب أو حسيب حتى ساعدتني هذه الوسائل على الخروج مع شاب كان يحدثني عن حبه وهيامه طوال الليل وأقنعني بأنه يحلم بالزواج مني" , وعندما خرجت معه أراد أن يستفرد بي ولكن عناية المولى ألطف من كل شيء وعدت سالمة إلى بيت أهلي سالمة إلا من الشعور بالحزن والألم وعقدة الذنب التي لا تفارقني تجاه والداي اللذين يغطان في سبات عميق وابنتهما مع شاب غريب خارج المنزل.
الأمثلة كثيرة وعديدة وطويلة وعميقة إلح كبير إذا ما تحدثنا في قصص الواقع كثيراً ,إذن من يقود الآخر ؟
ليس مبرراً
المختص الاجتماعي والنفسي نور الدين محيسن قال لـ"الرأي " بأن قتل الفراغ لدى الشباب أصبح عبر اللجوء إلى شبكات الانترنت وقلب ليلهم إلى النهار ونهارهم إلى ليل ,وهذا الأمر ليس مبرراً لهم للوصول إلى حالة الإدمان لمواقع التواصل الاجتماعي ,وانعزالهم عن الواقع بتضييع ثمين وقتهم دون فائدة.
ويرجع محيسن انعزال الشباب وتضييع جل وقتهم إلى بيئة التنشئة الرسمية لهم وطبيعة علاقاتهم مع ذويهم وعائلاتهم وكمية الثقة التي يمنحوها لأولادهم ,وبذلك يمكن بناء اعتقاد بسيط عن كل شاب وعن إمكانية انقياده لمواقع الانترنت التي تركن بالأساس إلى واقع التربية الرئيسي له.
وحمّل محيسن الواقع الممتلئ بالبطالة وفرص العمل الضيقة وفراغ الخريجين من فرص التدريب والعمل إلى الحالة التي وصل إليها الشباب من وجود بديل عن مشاغلهم الشخصية بقضاء فراغهم وجل حياتهم على تلك المواقع ,منوهاً إلى أن حالة الرقابة الذاتية التي يفرضها الشاب على نفسه في اي مكان تواجد فيه وهو يتابع تلك المواقع تعود بالدرجة الأولى إلى التنمية الذاتية والتربية الداخلية له في أسرته وبيئته.
ورجّح محيسن تنامي الأجيال كلها على شبكات الانترنت نظراً لقوة التعمق التي وصل إليها الناس ,الآباء والأمهات والشباب منهم إلى درجة عدم الانقطاع البتة عن تلك المواقع, فكل له دوره في تعميق التعبئة الداخلية للأبناء في جيل التنشئة وما بعدها.
الإمكانيات الصعبة
أما عن المختص النفسي والاجتماعي والمحاضر في جامعة الأقصى درداح الشاعر قال لـ"الرأي" بأن طموحات وأحلام الشباب هي من تقود التوجه الأول لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي ,فكثيراً ما رأينا من الشباب النماذج الفذة في التوعية وفي توسيع أفق جديدة لاستخدام تلك الصفحات سهلة الاستخدام.
وفي حديثه عن الصنف الآخر قال بأن هناك شباب أيضاً رسخوا فكرة استخدام الانترنت في قضاء ما هو ممنوع ومحظور في حياتهم ,كصعوبة الوصول إلى مرحلة متقدمة من الاكتمال المادي لعقد نية الزواج ,فالكثيرين يلجؤون إلى الانترنت للحديث إلى الفتيات ومشاهدة الإباحيات لتلبية رغباتهم , وهنا الرقابة ستكون صعبة ,لإن الشاب بحد ذاته رقيب نفسه سيما أنه خرج عن طواعية أمه وأبيه وحتى نفسه وقتها.
وصنف الشاعر العقبات التي تقف في عرض الطريق للشباب وأولها المجتمع وواقع الحصار وقلة ما في اليّد ,مبرراً الزهد في التكاليف للدخول إلى تلك الصفحات بانه صنعت خصيصاً لتغييب الوجهة الأساسية التي يعيش من أجلها الشباب.
ولم يجد الشاعر مبرراً لحياد الشباب عن مسار استخدامهم للشبكات بقوله أن البيئة والتربية الصحيحة هي وحدها من ترافق الشباب أينما ولّى وجهه ,وبذلك سيكون رقيب وأمين نفسها بعيداً عن العيون وقريباً من نفسه وحده.

