ياسر الزعاترة
لا يتحدث السيد نمر حماد على هواه، فهو من الحلقة الضيقة التي تحيط بالرئيس الفلسطيني وتسمع بأذنه وترى بعينه. وهو وإن سمي مستشاراً للرئيس، إلا أن الأخير لا يحتاج استشارة من أحد في الملفات الأساسية التي حسم موقفه منها منذ زمن بعيد، بقدر حاجته إلى مدافعين عن برنامجه يغطون سيل الفضائيات التي لا يمكن لكبير المفاوضين وحده تغطيتها، رغم أنه الأقدر على ترجمة مضامين كتابه "الحياة مفاوضات" إلى كلمات واضحة وسريعة الإيقاع على الهواء مباشرة.
في القاهرة، وأمام حشد من المستمعين والإعلاميين قدم السيد نمر حماد رؤيته للوضع الفلسطيني، والقاهرة اليوم كما يعلم الجميع جاهزة لاستقبال كلمات الهجاء بحق حركة حماس التي أفشلت جهود المصالحة بتعنتها وتبعيتها للخيارات الإقليمية كما ردد حماد في المحاضرة، وكما رددت قبله عشرات الصحف والمواقع المصرية خلال الأسبوعين الأخيرين.
في المحاضرة أو الندوة التي عقدت في وكالة الأنباء المصرية (الشرق الأوسط) قال نمر حماد الكثير، لكن أهم ما قاله واستوقف وكالات الأنباء هو تأكيده على ضرورة نزع سلاح الفصائل، وأن لا يكون ثمة سلاح غير سلاح "الشرعية"، إضافة إلى تشكيل حكومة ذات برنامج سياسي مقبول دولياً.
ربما لا ينطوي حديث حماد على جديد يذكر، فقد سمعنا مثله مراراً وتكراراً من السيد الرئيس نفسه، وكذلك من رئيس الوزراء (كرره غير مرة خلال الأيام الأخيرة)، لكننا نتوقف عنده هنا، فقط من أجل تذكير المتباكين على الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام بحقيقة المصالحة المنشودة بعيداً عن الكلام الإنشائي والشعارات الجوفاء التي تسعى إلى وضع طرفي المعادلة الفلسطينية في ذات مربع الإدانة، أكان في تعليقات مدمني "الحياد الإيجابي"، أم في لوحات الكسالى من رسامي الكاريكاتير الذين لا يجدون فكرة يكررونها مثل وضع الشعب الفلسطيني بين مطرقة حماس وسندان السلطة أو العكس، أو بين فكي كماشة طرفاها فتح وحماس (هناك صيغ أخرى كثيرة).
لم يقل لنا السيد نمر حماد كيف سنحرر فلسطين، أقله ما احتل منها عام 67 إذا ألقت الفصائل سلاحها، وهل يعني ذلك أن أجهزة أمن السلطة "الشرعية" هي التي ستتولى المهمة، ولماذا لا تفعل تلك الأجهزة شيئاً أمام سيل الاجتياحات والاعتقالات اليومية التي يقوم بها جيش الاحتلال في الضفة 4524 (حالة اعتقال منذ مطلع هذا العام)، والتي تتم من دون أن يطلق رجال الأمن رصاصة واحدة في مواجهة دوريات العدو، بل يجري تنسيق بين الطرفين عند الدخول والخروج. وحتى عندما يقرر الجنرال آفي مزراحي، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي القيام بجولة تفقدية في مدينة بيت لحم الخاضعة بالكامل للإدارة الأمنية الفلسطينية، فسيتم ذلك بحماية الشرطة الفلسطينية التي دربها الجنرال دايتون.
أما الفلتان الأمني الذي يتحدث عنه المستشار، فهو يعلم أنه لم يكن نتاج سلاح حماس والجهاد، وإنما نتاج سلاح المحسوبين على فتح، من دون أن يطال ذلك الجميع، لأن في الحركة مناضلين شرفاء يرزح أكثرهم في سجون الاحتلال.
تبقى شروط الرباعية التي يطالب حماد الحكومة بالاعتراف بها، وهي كما نعلم (الاعتراف بالمعاهدات الموقعة، الاعتراف بدولة الاحتلال ونبذ العنف، أي المقاومة)، ولا قيمة هنا للقول إنهم لا يطالبون حماس بالاعتراف بدولة الاحتلال، لأن مشاركتها في حكومة تفعل ذلك هو اعتراف في نهاية المطاف.
هذه هي المصالحة التي يتحدثون عنها. مصالحة تقبل بواقع الحكم الذاتي أو الدولة المؤقتة القائم على الأرض، بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات، والتي تشكل جوهر الورقة المصرية التي رفضتها حماس، مع العلم أن الهدف الأساسي المرحلي يبقى هو ذاته، أي إخراج حماس من باب الانتخابات الذي دخلت منه.
لذلك كله، وبصرف النظر عن موقف حماس منها، فإننا لن نتردد في رفض مثل هذه المصالحة مهما كرر معزوفتها موتورون يعرفون ويحرفون، أو طيبون لا يدركون الحقيقة بكل تفاصيلها.
المصدر: صحيفة الدستور الأردنية
1/11/2009

