في صباح يوم جديد، يخصص قرص الشمس شعاعاً ملتهباً صريحاً يشيرُ لشعر الطفلة "ماريا" ذو اللون الأحمر، يُدفئ بعضاً من برودة قلبها الصغير ذو الأعوام المساوية لعدد أصابع يدها الواحدة، وفي ذات الصبح لا يطال قرص الشمس وجه الطفلة "سوزي" التي ما زالت تندس بين جدران مشافي الطب النفسي لعلاج صدمتها، والتي تكبر رفيقة قصتها بعامين فقط.
"ماريا علاء أبو حطب"، و"سوزي رياض اشكنتنا"، طفلتان وحيدتان فقدت كل واحدة منهما أمها وإخوتها، وكانت المعجزة وحدها من أبقت كلتاهما على قيد الحياة، مذ ولادتهما وكل واحدة تحيا بشكل مختلف، تضحك وتلعب مع إخوتها، تأكل تشرب وتنام في أحضان أمها، إلا أن حياتهما بعد انتهاء الحرب تشابهت في فاجعة الفقد وفي طريقة نجاتهما من بين أنياب الموت الدامي.
صدمة الفاجعة
"سوزي" ذات العيون الشاردة إلى مشهد الفاجعة بلا انتهاء، كانت تلتف بذراعي أمها حتى آخر لحظة مع اشتداد الضربات الحربية "الإسرائيلية" على بيتهم الآمن، ومع كل ضربة تدميرية أطاحت بشارع الوحدة وعماراته السكنية، كانت تتمسك بجسد أمها أكثر وتعقد كلتا يداها حول عنق أمها وتغمض عيناها كي لا ترى ما يحدث حولها، لكنها فتحت عيونها على فاجعة تفوق توقعات خيالها.
منذ ساعات الليل الأولى وحتى شروق اليوم التالي بقي الركام بثقله يحط على جسد "سوزي"، لعشرِ ساعات مظلمة، أمضتها في أحضان أمها بين الأنقاض وتحت الركام ومن بين براكين الدماء، حتى بعدما انقطعت أنفاس أمها بقيت متشبثة بجسدها.
لا شيء سوى أنفاس نجاة يلهج به صدر الصغيرة، لكن جسدها مترهل ضعيف مشدوه ومفجوع، حتى لون شعرها البني أخفته سُحب الغبار وأعمدة الدخان الأسود وركام منزلها المدمر فوق رأسها، وبقيت "سوزي" الناجية الوحيدة دون أشقائها الأربعة وأمها.
أطباء العلاج النفسي قالو إن الطفلة "سوزي رياض" تعرضت لصدمة منعتها من اللعب والحديث وممارسة حياتها بشكل طبيعي، كما عكست الصدمة بثقلها على لسان الطفلة واختصرت عليها رواية ما حدث معها، ولا تتكلم بشيء سوى مناداتها بـ "ماما ...بدي ماما .. !".
قفزة النجاة
أما عن "ماريا" ذات الشعر الأحمر المجعد، رفيقة القصة وشبيهة التفاصيل لحدث "سوزي" المفجع، والتي كانت تلهو وتلعب مع أبناء عمتها الخمسة الزائرين لبيتهم وسط مخيم الشاطئ ثاني أيام العيد، رغما عن ظروف العدوان الشرس.
أكبر الأشقاء كان يوسف ذو الأحد عشر عاماً، وشقيقه الأصغر بلال ذو العشرة أعوام، والأخ الأصغر يامن ذو الأعوام الستة، وأصغرهم كانت ماريا وتكبرها حبيبتها مريم بثلاثة أعوام، خمستهم كانوا يحتفون بضيوف عيدهم تحت سماء غزة الملبدة بالموت، لكن أمانهم الوحيد أنهم يقطنون في بيت بسيط آمن.
الليلة الثانية لأيام العيد آثرت الأم "مها الحديدي" قضاء ليلتها في بيت شقيقها الوحيد "علاء أبو حطب"، في خطوة لاصطناع أجواء من المرح لأطفالها الخمسة صهيب ويحيى وأسامة وعبدالرحمن ورضيعها عُمر، فلم يبعد بيتها عن أخيها سوى بضع أمتار.
عشرة أطفال برفقة أمهاتهم داخل البناية السكنية الآمنة وسط المخيم، أما عن الأب "علاء أبو حطب" فقد اختلس وقتاً سريعا لشراء الخبز لإتمام تجهيز وجبة العشاء، أدار ظهره وابتعد قليلاً، وما هي إلا بضع دقائق حتى دكت الصواريخ الحربية البيت دون سابق إنذار.
قوة الضربة العدوانية على البناية قذفت الطفلة "ماريا" من إحدى النوافذ وألقتها أرضا من على بعد ثلاثة طوابق، فكانت الناجية الأولى بقفزة إعجازية تركتها في مهب الحياة تؤنس وحشة أبيها، وتبقى الذكرى الوحيدة التي تنوب عن إخوتها الأربعة وأمها الشهداء.
وكان الرضيع "عُمر" الناجي الثاني من عائلة الحديدي، وكان طفلاً وحيداً أيضاً ناجياً من الموت من بين أحضان أمه النازفة بدم الشهادة، ليحمل في قسماته وجوه إخوته الأربعة الشهداء أنساً لأبيه.
الطفلة الناجية "ماريا" لم يستوعب عقلها الصغير أنها بقيت بلا أم وبلا إخوة وبلا بيت من الأساس في ثوانٍ، والطفلة "سوزي" لا تتوقف عن الصراخ والبكاء في طلب أمها ثانية وهي تعد نفسها بأنها ستسمع الكلام وستكتب واجبتها كما كانت تطلب منها أمها، أما عن الرضيع "عُمر" الذي بدأ بحفظ ملامح أمه جيداً لم يقبل بعد على صدر مرضعة غير أمه الشهيدة!.
ستة وستون طفلاً سُجلوا شهداء في هذا العدوان، وسجلتهم "إسرائيل" مسبقا في خانة بنك أهدافها الخاوي، وأربعون من النساء قضوا برفقة أطفالهم، وثمانية عشر مسناً أيضاً، وفي الحقيقة الناجي الوحيد هو الذي لم ينجُ، وكل الشهداء قد نجوا فعلاً من الموت مرات ومرات في معترك الحياة.

