في زحمة نتائج الثانوية العامة تغمر نسمات الفرح والبهجة والسرور قلوب الأهل، فما ان يسعد الطالب بنتائجه الا وتواجهه معركة صعبة تبدو واضحة عندما يبحث عن التخصص الجامعي، فيجد نفسه تائها بين اشباع رغباته الشخصية نحو اختيار التخصص المناسب، ونظرة الوالدين التي قد تخالف رغباته المستقبلية. وفي هذا الاطار، يرى البعض أن عملية اتخاذ القرار من أهم الاجراءات التي يتخذها الفرد في حياته، علما بأن هناك من يتخذ قرارات كثيرة في كل ساعة وكل يوم، ولكن اختيار التخصص الدراسي أمر مختلف نسبيا، مؤكدين أن تدخل الآباء في تخصصات أبنائهم يعد انتكاسة كبيرة قد تعرقل مسيرتهم التعليمية، خصوصا أن اختيارهم للتخصص يعد عملية اجبارية من قبل الوالدين التي قد تخالف ميولهم ورغباتهم، كما أن المجتمع يلعب دورا كبيرا في التأثير على الطلبة في اختيار التخصص، ومنها أولوية الأمان الوظيفي والبحث عن تخصص مطلوب في سوق العمل، وكذلك نظرة المجتمع الدونية لبعض التخصصات، ما يجعل الطالب الراغب في أحد تلك التخصصات يحجم عنه خوفا من النقد.
حول هذا الموضوع أكدت أستاذة علم النفس بجامعة الكويت الدكتورة نعيمة طاهر، أن السبب الرئيس وراء تدخل الاباء في تخصصات الأبناء، أن الأب دائما ما يفرض على ابنه تخصصا معينا لم يستطع أن يقوم به شخصيا، أو هو الأفضل بالنسبة له، ما تكون له آثار نفسية سيئة جدا على الابن، فهو بذلك يقتل الرغبة في تحقيق الانجازات والابداع عند الأبناء.
وتشير طاهر الى أن الله سبحانه وتعالى خلق في كل انسان قدرات تختلف عن الآخر، فهناك بعض الأشخاص لا يستطيعون خدمة الناس بشكل مباشر والعكس.
وأضافت أن الدراسات الحديثة أثبتت أن غالبية الموظفين الذين لا يحبون أعمالهم هم أكثر عرضة لأمراض السكتات القلبية، موضحة أن الصواب من قبل الوالدين في هذا الأمر هو مساعدة الطالب فقط على سلك الخطوات الصحيحة لاختيار التخصص وصناعة القرار، وهذه الخطوات تتلخص في معرفة الطالب لقدراته وميوله وآماله، ثم ادراكه الجيد لطبيعة التخصص الذي يريده ومميزاته وسلبياته ومستقبله، ويتبع ذلك الالتقاء بمن سبقوه في التخصص ذاته والحوار معهم، وأخيرا النظر في مجموعة بدائل للاختيار الاول الذي قد لا يتحقق لأي سبب من الأسباب.
وقالت طاهر ان أكبر هدية يقدمها الآباء والأمهات لفلذات أكبادهم في هذه المرحلة الحرجة هي توفير المناخ المناسب لاتخاذ القرار الصائب، وذلك بالتوجيه والمساعدة والمؤازرة والحوار وتوفير المعلومات التي يحتاجونها لاتخاذ قرار ناضج يصنع مستقبلا مشرقا لهم.
ومن جانبها، أوضحت الناشطة الاجتماعية نجاة الحشاش أن معظم الآباء والأمهات يستخدمون مبدأ الأوامر مع أبنائهم في تحديد مصيرهم، وهو من الأساليب الخاطئة وله آثار سلبية خطيرة جدا على الأبناء، ولا شك أن حرص الآباء والأمهات على أبنائهم وبناتهم يدفعهم الى التدخل في عملية اختيار التخصص، لكن درجة التدخل هذه يجب أن تكون لها حدود واضحة. فمن الخطأ أن يلزم الآباء أبناءهم بتخصصات معينة أو أن يضغطوا عليهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من أجلها.
وتضيف أن القدرة على اتخاذ القرار الصحيح بشكل عام مهارة حياتية مهمة، تتطلب أمرين في غاية الأهمية، يجب على الأسرة والمدرسة تنميتهما لدى أبنائنا وبناتنا، وهما «الثقة في النفس» و«تحمل المسؤولية». فالثقة في النفس تمنح الانسان القوة التي تدفعه لخوض غمار الحياة، وتحمل المسؤولية يمنحه الحكمة، وتوخي الحذر، والنظر في عواقب الأمور قبل الاقدام على اتخاذ أي قرار ذي بال.
وفي مثل هذه الأوقات التي يكون أبناؤنا وبناتنا فيها على مفترق الطرق، يحتاجون منا كآباء أو تربويين الى وقفة صادقة وحكيمة، وليس الى العواطف والانفعالات. ومن الأفضل أن يترك الآباء مساحة من الحرية للأبناء في اختيار التخصص الذي يتماشى مع ميولهم ومهاراتهم بحيث يستطيع الابن أن يحقق انجازا ونجاحا في عمله بعد ذلك.
وبدوره، يؤكد أستاذ علم النفس والاجتماع الدكتور عويد المشعان أن الضغوط التي يمارسها الآباء على الأبناء تشكل حملا ثقيلا جدا على نفسية الأبناء، خصوصا أنه يريد تحقيق أشياء معينة من اختياره للتخصص الذي يوافق رغباته وميوله، ولكن ما نراه أن الآباء عادة يرون أن الأبناء تكملة لهم، فعلى الآباء أن يدركوا أن لكل ابن ميوله واتجاهاته، وله ما يحب و ما لا يحب، فلا يجب أن نلغي شخصية الابن في الاختيار، وأن تترك له مساحة من الحرية في أن يتخصص وفق ميوله وعدم عرقلة قدراته ليستطيع أن يساير هذا العلم ويأتي بالدرجات المطلوبة.
وأشار الى دور المجتمع وتأثيره على الطلبة في اختيار التخصص، ومنها أولوية الأمان الوظيفي والبحث عن تخصص مطلوب في سوق العمل، كذلك نظرة المجتمع الدونية لبعض التخصصات، ما يجعل الطالب الراغب في واحد من تلك التخصصات يحجم عنه خوفا من نقد المجتمع، بالاضافة الى نظرة الاكبار والاحترام في المجتمع لبعض التخصصات، ما يجعل الطالب الحاصل على نسبة عالية ينساق الى أحد هذه التخصصات وان لم تتوافر عنده الرغبة الصادقة فيه.
وأضاف المشعان أن القرار الدراسي أمر مختلف عن أي قرار يمكن اتخاذه في حياة الفرد، حيث ان الفرد لا يستطيع أن يتخذه جزافا، لأنه ان حصل ذلك فسيترتب عليه تحديد مستوى الفرد الاقتصادي والاجتماعي والأسري والنفسي والصحي، مشيرا الى أن هناك خطوات لاتخاذ أي قرار والتي تتمثل في تحديد المشكلة وايجاد البدائل، وجمع المعلومات وتحليلها ووضع الأهداف والخطط وتنفيذها ومن ثم تقييمها. مشددا في الوقت ذاته على ضرورة أن يضع الطالب استراتيجية لنفسه وذلك بأن يعرف أهدافه البعيدة، وأن يطور خطة عمله لتــــحقيق تلك الأهداف.

