بعد إغلاق دام أكثر من عام جراء استمرار جائحة كورونا، عاد متحف قصر الباشا ليفتح أبوابه الموصدة أمام استقبال الزوار من النخب والمؤسسات التعليمية والاعلامية ليحكي لهم عن عظمة تراث وعبق تاريخ غزة، باعتباره النموذج الوحيد المتبقي من القصور.
ستة دونمات هي المساحة التي يقع عليها قصر الباشا في حي الدرج بالطرف الشمالي من البلدة القديمة لمدينة غزة، وأطلقت عليه مسميات عدة من بينها قصر آل رضوان الذين امتلكوه في فترة الحكم العثماني، كما أطلق عليه دار السعادة والدار العظيمة، وقلعة نابليون.
ويعد القصر، معلماً تاريخياً وحضارياً وأثرياً مهماً في المدينة منذ إنشائه في العهد المملوكي قبل أكثر من 7 قرون، وحتى يومنا هذا الذي تحول جزء منه إلى متحف.
2000 زائر
وزارة السياحة والآثار بغزة أكدت أن هناك ارتفاعاً واضحاً في عدد الزائرين لمتحف قصر الباشا خلال شهر أكتوبر الماضي، حيث استقبل ما يزيد عن 2000 زائر محلى وأجنبي.
دائرة العلاقات العامة بالوزارة أوضحت أن موقع قصر الباشا من أبرز المواقع الأثرية في قطاع غزة، إضافة الى أنه يستخدم كمتحف لعرض القطع والمقتنيات الأثرية من حقب مختلفة، وأنه يستقبل يومياً العشرات من الزوار، بعد إعادة فتحه منذ شهر مايو الماضي إثر إغلاقه لأكثر من عام بسبب جائحه كورونا.
د. محمد خلة الوكيل المساعد لوزارة السياحة والآثار، أكد أن نسبة إقبال المواطنين على متحف قصر الباشا شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال شهر أكتوبر الماضي، خاصة من قبل النخب الإعلامية والمؤسسات التعليمية مثل المدارس والجامعات، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني والأهلي والوفود الأجنبية.
وبين د.خلة أن الوزارة تقدم الخدمات التوعوية والإرشادية والمطبوعات، وتعرض الأفلام القصيرة التي تشرح أنماط الحياة السائدة في تلك الحقب والعصور، مشيرا إلى أن المتحف يعرض في قاعاته الشواهد المادية والتاريخية التي توثق حضارة وعراقة ومجد وتراث الشعب الفلسطيني منذ آلاف السنين.
واعتبر الوكيل المساعد أن ارتفاع نسبة الوافدين مؤشر إيجابي على رفع وعي المواطن بحضارته وتجذره بأرضه وانتمائه لها، وفخره واعتزازه بمورثه الحضاري التاريخي الإنساني، مشدداً على تعزيز الشراكة مع المؤسسات الحكومية والأهلية والدولية للنهوض بواقع قطاع الآثار، وصيانة وترميم وإعادة تأهيل البيوت والمواقع الأثرية، وتعزيز الأنشطة اللامنهجية لجمهور المواطنين، الى جانب نشر المعرفة التاريخية للمعالم والمقتنيات الوطنية.
معلم تاريخي
من جهته قال الباحث في التاريخ والتراث د. ناصر اليافاوي:" إن قصر الباشا يعد معلما تاريخيا وحضاريا وأثريا هاما في فلسطين، وله قيمة معمارية هامة، ومن أجمل المواقع الأثرية الموجودة بقطاع غزة التي توثق تاريخ الشعب الفلسطيني وحضارته، وتعتبر الحجارة التي بني بها القصر والجدار والأقواس والعقود والأقبية المتقاطعة، إضافة إلى الغلاف الخارجي والغرفة الداخلية كلها صممت بشكل هندسي فريد، وهي ذات قيمة معمارية هامة."
وحسب ترجيح الباحث اليافاوي، فإن قصر الباشا تم تجديده فترة الحكم العثماني زمن حكم الأسرة الغزية آل رضوان عام 1584م، وتم بناءه في العصر المملوكي زمن الظاهر بيبرس (1260-1277م)، مستدلا بذلك لوجود شعار الظاهر بيبرس الموجود على مدخله الرئيس، والذي هو عبارة عن (أسدين متقابلين) نفس الشعار الموجود على جسر جنداس في مدينة اللد.
وأوضح اليافاوي في حديث لـ"الرأي"، أن جميع محتويات الطابق الثاني من المبنى إلى العصر العثماني، حيث تم تشييده في القرن السابع عشر الميلادي، وخدم قصر الباشا وقتها “رضوان باشا”، ومن هنا أطلق على القصر “قلعة رضوان باشا”.
قيمة معمارية
ويضمّ المتحف حالياً مئات القطع الأثرية، من فخّار، زجاج، أعمدة كوراثية، زينة نساء، وغيرها، وتعود تلك القطع إلى عدد من العصور، منها العصر اليوناني، الروماني، البيزنطي، والإسلامي بما يحتويه من العصر الأيوبي والأموي والمملوكي والعثماني.
وأضاف اليافاوي:" يتكون القصر من بناءين منفصلين، الواجهة: تتزين واجهاتهما وأعتاب مداخلهما بأشكال مختلفة كالأطباق والنجمية والزخارف النباتية والمحورة والدعامات السائدة، وهي عناصر معمارية لدعم الواجهات، خاصة المرتفعة، بالإضافة إلى العقود التي تزين المداخل، وتستخدم فيها الأحجار الجيرية والرخامية الملونة".
أما الطابق السفلي فيتكون من ثلاث قاعات رئيسة مسماة بأسماء مدن فلسطينية، قاعة حيفا وقاعة يافا وقاعة القدس، وبها آثار بيزنطية وعملات نقدية وأدوات فخارية، وآثار إسلامية أيوبية ومملوكية وعثمانية، منها أباريق نحاسية، فيما يضم الطابق العلوي قاعتين وهما عكا والرملة، وهو يحتضن آثاراً برونزية وكنعانية وحديدية ويونانية ورومانية وبيزنطية.
وأكد اليافاوي أن الاحتلال يحاول دائماً طمس حضارتنا وتاريخنا، حيث تعرض القصر لحريق متعمد قام به مستوطنون في ثمانينيات القرن الماضي.

