غزة-الرأي:
كان الدمار الرهيب يدل على همجية العدو وعلى إجرامه، لكن ذلك لم يمنع المخلصين من الاستمرار في هذا الدرب، فقامت وزارة العدل بحصر الأضرار الناتجة عن تدمير مقرها وانتشال بعض الأجهزة والمعدات الصالحة من تحت الردم والاستفادة منها.
واستطاعت أن تنهض من تحت الركام بعد أن دمر العدوان الصهيوني المجرم مبنى الوزارة. وبرغم الدمار والخراب الكبير الذي نجم عن هذه الهجمة البربرية، فقد تمكنت من أن تستأنف العمل، وتقوم بواجبها المناط بها خدمة لأبناء الشعب الفلسطيني.
دمارٌ تقهره الإرادة
استمرت الوزارة باستقبال الجمهور يومياً في دائرة التصديقات لتصديق الوكالات المختلفة والمستندات الرسمية ذات العلاقة.
ومن الحوادث التي تدل على عظمة أبناء هذا الشعب، وعظيم انتماء أبناء الوزارة لها، وحبهم لوطنهم وخدمتهم لأبناء شعبهم رغم عمق الجرح وهول المصاب، أن الأخ حسن مرتجى مدير دائرة التصديقات بالوزارة وقف مذهولا أمام هول المنظر؛ فذلك المبنى الرائع بما يحتويه من أوراق ثبوتية تخص المواطنين وممتلكاتهم، وبما فيه من أثاث ومعدات وأجهزة صرفت فيه مئات آلاف الدولارات من أموال المانحين الأوربيين، أصبح بين عشية وضحاها كومة خامدة من الركام؛ رغم كل ذلك، فقد جاء عدد من المواطنين يريدون أن يصدقوا أوراقا لديهم، فما كان من الأخ حسن مرتجى إلا أن بحث بين الأنقاض لتقع يده على بعض أختام التصديقات، فيقوم بختم الأوراق لهم، لتستمر إرادة الشعب في طريق العزة المضمخ بالدماء!!
ولأنها تستشعر واجبها تجاه أبناء شعبها والنهوض بهم على جميع المستويات بالإضافة للجانب القانوني، فقد عقدت وزارة العدل العشرات من ورش العمل التي تراوحت بين ورش العمل التي تهدف لدراسة ومناقشة تطبيق بعض القوانين ووضع اللوائح التنفيذية لها، إلى وضع خطط منهجية لنشر وتعزيز الثقافة القانونية في المجتمع الفلسطيني ككل.
عمل دائم
أخذت الإدارة العامة للشئون القانونية على عاتقها أن يكون عمل الوزارة بمجمله قانونيا، لا يخرج إلا من مشكاة قانونية صائبة، فأعدت الإدارة الدراسات وورش العمل حول العديد من القضايا التي احتاجت لدراسة مستفيضة ودقيقة.
كما أشرفت الإدارة على عمل ديوان المظالم، بحيث لا تحدث ازدواجية في العمل بين جهات الاختصاص المختلفة من قضاء ونيابة، ودأبت على التنسيق المتواصل مع هذه الهيئات حتى لا تضيع حقوق المواطنين.
ولقد أشرفت الإدارة العامة للشئون القانونية والمهنية على عشرات ورش العمل التي ناقشت قوانين ولوائح تنفيذية لقوانين حتى يتم تنفيذها وإيجاد آليات سلسة لذلك التنفيذ.
كما عكفت الوزارة على تدعيم عمل ديوان المظالم والقصص في رد المظالم وإعادة الحقوق كثيرة، نذكر منها هنا قصة رجل استغله أناس بنصب واحتيال بمبلغ أكثر من 150 ألف دولار أمريكي هو ثمن عمارة سكنية. فقام ديوان المظالم بالتواصل مع الجهات ذات الاختصاص وفقا للأصول القانونية. حيث حالت جهودهم دون الاستيلاء على العمارة السكنية من قبل أولئك المحتالين الذين كانوا قد استغلوا وكالة عدلية عامة لبيع شقق في العمارة دون وجه حق. وقد أعيدت كافة الشقق لصاحب العمارة المشتكي وتم فتح قضية جزائية أمام النيابة العامة.
وفي قضية أخرى، قام ديوان المظالم بوضع حد لبعض تجار الأراضي الذين قاموا بعمليات بيوع داخلية لبعض الأراضي تصل إلى نصف الثمن الحقيقي، وقيامهم برفع دعاوى دون اختصام أصحاب العلاقة الحقيقيين، ومحاولة إيهام الجهات المختصة بتنفيذ القانون للحصول على أحكام قضائية تشمل في نطاقها أناسا ليسوا مختصين بالدعوة. حيث تم التواصل مع الشرطة والنيابة لوقف اتخاذ إجراءات ضد من ليس له علاقة بالقضية المقامة أمام المحاكم واحترام مبدأ سيادة القانون، ومن ثم رد الحق إلى أهله.
ولقد نظر ديوان المظالم بأكثر من 170 شكوى قدمت له خلال العام، تم حل معظمها إما بإحالتها على جهات الاختصاص، أو بحلها عن طريق الديوان ورد الحقوق لأصحابها.
إضافة نوعية
ويعد المعهد العالي للقضاء إضافة نوعية متميزة، ولطالما كان خيالا داعب أحلام المختصين، لكن هذا الحلم تحقق على أرض الواقع، يضيف في مجال اختصاصه مادة غنية واحترافية لتطوير الكوادر القضائية والحقوقية وكوادر النيابة العامة والعسكرية، وأجهزة الأمن الفلسطينية، لينعكس هذا الأثر الكبير على إرساء مفاهيم القانون وترسيخ مبادئ العدالة واحترام الحقوق في المجتمع الفلسطيني عامة.
وقد افتتح المعهد برنامج دبلوم الدراسات القضائية الأول في مشوار طويل لتطوير مؤسسات القضاء المختلفة والارتقاء بها على كل الصعد.
والمعهد لم يكن تكرارا روتينيا، بل كان إضافة أولى من نوعها في فلسطين من حيث أنه الأول في هذا المضمار ومن حيث أنه ابتعد عن النمطية والروتين المعمول به في الكثير من البلاد، حيث أوضح عميد المعهد الدكتور محمد النحال أنه سوف يتم التركيز بشكل كبير على المواد العملية، مع تغيير النمطية التقليدية في التعاطي مع هذه المواد بحيث تصبح مواد ً تفاعلية يظهر أثرها واضحا على الطالب في الجانب المهني التخصصي. وأضاف أنه سوف تكون هناك –بالإضافة إلى المواد العملية- دورات تدريبية عملية تخصصية مقتضبة، تركز كل واحدة فيها على جزئية محددة يتم تداولها باستفاضة وبشكل عملي تطبيقي، وذلك بعد إقرارها من الخبراء والقضاة في مجلس العدل الأعلى والأكاديميين المختصين.
وقد أنجز المعهد -رغم الصعوبات التي كان من أبرزها تدمير مقره الذي كان ضمن الوزارة عندما تم تدميرها- دورات تدريبية عديدة لموظفي النيابة العامة، وموظفي وزارة الداخلية وأجهزتها الشرطية والأمنية، والمحاكم الشرعية.
لجنة توثيق
يعتبر تأسيس اللجنة المركزية لتوثيق جرائم الحرب الصهيونية من أعظم الإنجازات التي حققتها وزارة العدل على الإطلاق خلال العام الماضي ، حيث أنه الأول من نوعه فيما يتعلق بتوثيق جرائم الحرب الصهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني طبقا للمعايير الدولية. فقامت اللجنة بتوثيق أكثر من 1200 ملف لجريمة حرب ارتكبت خلال أيام العدوان الصهيوني على غزة مع العلم أن القاضي ريتشارد جولدستون قد اعتمد في توثيق تقريره على 36 جريمة صهيونية من تلك الجرائم.
لم تدخر لجنة توثيق والقائمون عليها جهدا في رصد وتوثيق كل جريمة صهيونية بحق أي طفل أو امرأة أو شيخ أو بيت أو مدرسة أو مستشفى... وقامت اللجنة بتصنيف الملفات وترتيبها وتوثيقها وأرشفتها بشكل دقيق حتى يتسنى الاستفادة منها في كل وقت تسنح فيه الفرصة بملاحقة وتقديم المجرمين الصهاينة للمحاكم الدولية والوطنية.
ولقد أثمرت جهود هذه اللجنة حيث أن وزارة العدل دعمت من خلالها نحو 900 جمعية حقوقية عربية ودولية بهذه الملفات الموثقة حسب المعايير الدولية لتضيف إضافة نوعية من خلال اللجنة في هذا المضمار. وقام أحرار العالم في كثير من البلاد بتفعيل هذه الملفات وإكمال الدور عن طريق تقديم دعاوى قضائية للنائب العام في كثير من الدول الأوربية؛ فأثمرت كثير من هذه الجهود المخلصة كما حدث في النرويج، وأسبانيا، وآخرها المذكرة التي أصدرها القاضي البريطاني والتي تقضي بوقف مجرمة الحرب الصهيونية تسيبي ليفني وما أعقب ذلك من إرباك كبير وقلق بالغ لدى الحكومة الصهيونية.
مرفق القضاء
وانطلاقًا من الرسالة التي يحملها مرفق القضاء ومن منطلق تحمل المسؤولية، فقد قام رئيس مجلس العدل الأعلى المستشار عبد الرؤوف الحلبي بعد الحرب مباشرة بإصدار تعميم لكافة المحاكم النظامية في قطاع غزة يقضي فيه "بإعفاء جميع المواطنين المتضررين من الحرب من دفع رسوم المحاكم والمعاملات العدلية" مثل رسوم الوكالات الخاصة بالتعويضات والتعهدات والإقرارات وخلافه، وذلك للتخفيف عن الإخوة المواطنين لما واجهوه من أذى وأضرار جراء هذه الحرب الهمجية.
كما قام أيضًا بإصدار تعميم لجميع المحاكم بأن يتم السماح لجميع المواطنين أصحاب القضايا في المحاكم بأن يحتفظوا بمستنداتهم وعقودهم الأصلية، وأن يقوموا بتقديم نسخة طبق الأصل معتمدة من المحكمة المختصة، وذلك حفاظًا على ممتلكات المواطنين وتجنباً لأي ضرر أو قصف قد يؤدي إلى ضياع الملفات الأصلية والتي من ضمنها سندات ملكية لأراضي وعقارات.
كما تم إيقاف أوامر الحبس الصادرة من المحاكم النظامية في الفترة بعد الحرب لمدة تقارب الشهرين، وذلك بسبب ظروف السجون والمقار الأمنية، وبعد ذلك تم البدء بإصدار قرارات الحجز. مع العلم أنه تم البدء بإصدار أوامر الحبس الخاصة بقضايا تنفيذ قضايا النفقات الشرعية لأنها تتعلق بمبالغ صغيرة نسبيًا، تعتاش منها المطلقات والأطفال، وهي بذلك تكون لها الأولوية قبل قضايا الديون وخلافه.
وكنتيجة لقصف مبنى وزارة العدل، فقدت العديد من المعاملات والمستندات المالية والإدارية الخاصة بالإدارة العامة للشؤون المالية والإدارية في مجلس العدل الأعلى وذلك عندما تم قصف مبنى وزارة العدل وتدميره بالكامل خلال الحرب. حيث أدى فقدان هذه المستندات إلى تأخير وعرقلة العمل الإداري والمالي بعد الحرب، ولكن تم تجاوز هذه العراقيل بعد فترة وجيزة بسبب الجهد المبذول والعمل المتواصل من قبل الموظفين الماليين والإداريين.
وكان للحصار الجائر على غزة أثره على أداء عمل المؤسسة القضائية وذلك بسبب نقص العديد من اللوازم والأدوات والأجهزة المطلوبة لسير العمل وارتفاع أسعارها بشكل كبير إن توفرت.
وقد فقد المرفق القضائي في هذه الحرب أحد الأعمدة الرئيسية في العمل القضائي في المحاكم النظامية وهو الشهيد هشام محمد صيام "رئيس قلم محكمة صلح غزة" وذلك في اليوم الأول لحرب الفرقان.
وقد قام مجلس العدل الأعلى بتبني خطة طوارئ بعد الحرب مباشرة، وذلك لضمان سير العمل القضائي في حالة حدوث أي طارئ. وقد ابتدأت الخطة مباشرة بالأرشفة الالكترونية لجميع الملفات والمعاملات والقضايا والمستندات الخاصة بمجلس العدل الأعلى تحسبًا لوقوع أي ضرر أو تلف للمستندات الورقية.
ديوان الفتوى والتشريع
كان ديوان الفتوى والتشريع بمثابة الشعلة التي كانت تمد السالكين بنور الدرب فتمد جميع مؤسسات الحكومة ومرافقها بالاستشارة القانونية والرؤى الواضحة حتى يسير السائرون على بصيرة بخطى قانونية واضحة المعالم.
ويمكن القول أن تصميم وإرادة العاملين في الديوان قد ضاعف من الإنجازات بعد الاعتداء الصهيوني على غزة؛ فشمر المشمرون عن ساعد الجد، ومن بين الإنجازات الكبيرة التي حققها الديوان خلال فترة ما بعد الحرب رغم صعوبة الواقع ومرارته، إصدار العددين (74-75) من الوقائع الفلسطينية ،و إصدار العدد (44) من الوقائع الفلسطينية الخاص بالعلامات التجارية،و إصدار الدليل المرشد للتشريعات الفلسطينية،و إصدار كتاب فهرس الوقائع الفلسطينية كاملة من العدد الأول وحتى العدد الخامس والسبعون،و إصدار خمسة أعداد متسلسلة من نشرة منبر الفتوى والتشريع الشهرية،و تدشين موقع إلكتروني قانوني متخصص للديوان بما يشمل الوقائع الفلسطينية كافة وموسوعة التشريعات الفلسطينية منذ العهد العثماني وحتى تاريخه، وإعداد اسطوانة المرشد القانوني المميزة والشاملة.
المعمل الجنائي
بدوره استمر المعمل الجنائي بأداء دوره المعطاء رغم تدمير مقر المعمل داخل وزارة العدل. وقد تم تفعيل العمل مع الجامعة الإسلامية مرة أخرى، حيث تمت مراجعة طرق تحليل وفحص العينات الجنائية التي اعتمدت من قبل المعمل الجنائي والجامعة الإسلامية وهي طرق عالمية للتحليل، حيث اندثرت معظم الأوراق الخاصة بهذه الطرق من الجامعة نتيجة لقصف مبنى المختبرات في الجامعة. و تم إعادة تجهيز العينات التي فقدت تحت أنقاض الجامعة والتي كانت معدة للتحليل، حيث قامت إدارة المعمل بأخذ عينات بديلة من مبنى النيابة العامة، وذلك حتى لا تنتهي القضايا المتعلقة بهذه العينات.
يحسب أيضا للمعمل الجنائي انه قام بفحص وتحليل ما يزيد عن سبعمائة (700) عينة مخدرات ومؤثرات عقلية خلال العام 2009، وبالتالي حل مشاكل هذه القضايا من خلال إصدار التقارير الفنية الخاصة بها. وعملت إدارة المعمل الجنائي على التعاون وتضافر الجهود من اجل ترسيخ مبدأ العدالة في فحص العينات وحتى لا يظلم أحد. كما قام المعمل بعمل تقرير خاص ببرنامج البصمات، وبحث إمكانية عمل البرنامج بفحص البصمات الكترونياً عن طريق الحاسوب وتم التواصل مع وزارة الداخلية من اجل تطبيق وتفعيل هذه الطريقة على ارض الواقع حيث تم البدء بعمل قاعدة بيانات للبصمات.
وأشارت إدارة المعمل أن أهم الصعوبات التي واجهت عمل المعمل الحصار الإسرائيلي المتواصل على القطاع وذلك لاحتياج المعمل لمعدات ومواد كيميائية، والمعمل يحاول التغلب على هذه المعضلة من خلال التعاون مع جميع المؤسسات الحكومية.
الطب الشرعي
ومن جانبها أشارت دائرة الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل أنها تعمل على مدار الساعة في الكشف على جميع الحالات القضائية والوفيات المشتبه بها والقادمة من جميع المستشفيات ومناطق القطاع. وأضافت الدائرة أن طاقم الطب الشرعي كان له أثر كبير في الكشف على معظم جثث شهداء معركة الفرقان والتي تناثرت في أماكن كثيرة في القطاع.
وأوضح العاملون في دائرة الطب الشرعي أن أكثر العقبات التي واجهت الدائرة هي كثرة عدد الشهداء خلال فترة الحرب؛ فلم يكن باستطاعة ثلاجات حفظ الموتى والأشلاء استيعاب العدد الكبير من الشهداء، مما أدى إلى تكدس الجثث خارج الثلاجات. وبالرغم من ذلك قامت الدائرة بتقديم ما بوسعها لتذليل الصعاب والتخفيف من آلام المواطنين وكشف جرائم الاحتلال.
ومن خلال النظر لبعض إحصائيات دائرة الطب الشرعي، فقد تم فحص 55 حالة وفاة داخل الأنفاق و73 حادث طرق، كما ذكرت دائرة الطب الشرعي أنه لوحظ تراجع حاد في إحصائيات حالات القتل المتعمد والممارسات اللاأخلاقية.

