غزة – خاص الرأي:
قبل عام من الآن، وفي يوم من أيام غزة المحاصرة، لم يكتفي أعداؤها بحصارها نظراً لأنه لم يفت من عضدها، فقرروا حرقها وصب الرصاص المصبوب عليها سعياً منهم لتركيعها وإخضاع شعبها للذل والهوان وإجبارهم على الاستسلام والخنوع، ففي السابع والعشرين من ديسمبر لعام 2008 أسقطت طائرات الحقد الصهيونية حممها ونيرانها على قطاع غزة، وكلمح البصر سقط الشهداء والجرحى ودُمرت منازل ومقرات واكتوى بنارها من اكتوى وملأ بكاء غزة المدى، وكانت هذه بمثابة لحظة إعلان الحرب على غزة وشعبها الفلسطيني المقاوم.
خلال الحرب الصهيونية الشرسة والتي دامت لمدة 23 يوماً، لم يسلم خلالها البشر والشجر والحجر من نيران طائرات ومدفعية الاحتلال التي لم تتوقف عن قتل البشر و تدمير المزارع والشجر وقصف المنازل فوق رؤوس ساكنيها ودك المدارس وقتل من حاول الاحتماء بها، واستهداف مقرات الأمن والوزارات الحكومية سعياً من الاحتلال لتدمير البنى التحتية ومقومات الحياة الفلسطينية بكافة مجالاتها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية الثقافية.
البنية الثقافية الفلسطينية حالها كحال سائر المجالات الحياتية الفلسطينية كانت محل استهداف قوات الاحتلال الصهيوني، إدراكاً منهم لفكرة أن طمس معالم الثقافة الفلسطينية وشواهدها هو الطريق نحو مسح الهوية الفلسطينية، فاستهدفوا المكتبات والمؤسسات الثقافية والأماكن الأثرية والمتاحف والحقوا بها أضراراً فادحة، ما أظهر حقدهم على الثقافة الفلسطينية ورموزها ومدى خوفهم ورعبهم من وجودها وتجذرها مقابل هويتهم المزيفة، إضافة إلى أن تمسكنا بها وإصرارنا على الحفاظ عليها كونها إرثاً حضارياً يعمل على رسم معالم حاضرنا ومستقبلنا ووجودنا.
استهداف الإرث الإنساني
طوال أيام الحرب، كانت الرموز الثقافية الفلسطينية شاهدة على حقد وعنجهية الاحتلال وقواته المسعورة ضد كل ما هو فلسطيني، راصدةً تدمير العديد من المراكز والمؤسسات الثقافية العاملة في المجتمع الفلسطيني، والتي طالما قدمت خدماتها لإثراء وتطوير الواقع الثقافي الفلسطيني وإبراز الهوية الثقافية الفلسطينية بصورتها المشرقة بما تشتمل عليه من عادات وتقاليد وقيم ثقافية فلسطينية حافظ عليها الأجداد وتمسك بها أبناء الشعب من المثقفين والفنانين الذين نالوا نصيبهم من القتل ونالت مكتباتهم ومراسمهم وكتبهم حصة من الحرق والتدمير والإتلاف.
المتاحف والأماكن الأثرية لم تسلم هي الأخرى من الحرب الصهيونية حيث اسُتهدفت بشكل متعمد من قبل طائرات ودبابات الاحتلال، ما أدى إلى اختلال بعضها وتدمير أجزاء من بعض آخر في تعد صارخ على ارث إنساني يتوجب على المنظمات المعنية التنديد به وفضحه والعمل على محاكمة مرتكبيه.
وزارة الثقافة الفلسطينية والتي تعد راعية للمشهد الثقافي وداعمة لكل الفنانين والأدباء والمثقفين لحقت بها أضرار خلال الحرب، ولكن هذا لم يثنيها عن إكمال مهمتها في الحفاظ على اللوحة الثقافية الفلسطينية من أي ضرر قد يلحقه الأعداء بها، ليس هذا فحسب بل دأبت بعد الحرب لتأدية دورها من خلال برامج الدعم النفسي والفعاليات والأنشطة التي تستهدف إخراج الطفل الفلسطيني من جو الحرب إضافة إلى رص صفوف المثقفين والأدباء من جديد من خلال جمعهم وتفعيل دورهم في المقاومة وتعزيز ثقافتها لدى المواطن الفلسطيني, وتعويض المؤسسات المتضررة وجبر كسر كل رموز ومكونات الثقافة الفلسطينية المنكوبة بعد الحرب.
مشروع الدعم النفسي
قد تكون هذه الجولة من الحرب توقفت وخف وطيسها ولكنها تبقى حدث جلل خلف بجانب الأضرار المادية أضراراً نفسية ومعنوية، والناس ليسوا سواء في تحملهم وصبرهم وجلدهم وبالتالي تختلف ردودهم وانفعالاتهم النفسية.
والإقرار بوجود الآلاف ممن يستحقون العلاج أو المساعدة، لا يقلل من ما حققه شعبنا العظيم وقيادته من نصر على العدو وعلى كل المشاريع الهزيلة، لكن في هذا المجال لا نتناول الجانب الايجابي ولكن التركيز يتمحور حول الجانب السلبي للحرب، وإذا كانت الحكومة قد أخذت على عاتقها بناء ما دمره العدو من مباني ومنشآت فالإنسان الفلسطيني هو الأغلى ويستحق الكثير، ويستحق أن تُبنى شخصيته السليمة القادرة على تحمل الصعاب وحمل الأمانة وإكمال المسيرة حتى تحقيق الهدف الأسمى.
لأجل ذلك كثفت وزارة الثقافة من نشاطاتها التي تستهدف الأطفال المتضررين من الحرب ودعمهم نفسياً، حيث نظمت رحلات ترفيهية لهؤلاء في سبيل إخراجهم من الأجواء والظروف الصعبة التي عاشوها خلال الحرب، نتيجة إما إصابتهم أو فقدان ذويهم أو أحد أفراد العائلة ما سبب أضرار نفسية جسيمة استوجبت الوقوف عندها ومعالجتها وهذا ما قدمته وزارة الثقافة.
الجمعيات المتضررة
شريحة الجمعيات والمؤسسات الثقافية كانت محط اهتمام وزارة الثقافة والحكومة الفلسطينية بعد الحرب والتي أدت إلى تضرر بعضها إما كلياً أو جزئياً نتيجة القصف الصهيوني, فوفقاً للإحصائيات الرسمية فان عدد الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني المتضررة بلغ 182 مؤسسة وجمعية، منها 14 مؤسسة ثقافية و72 رياض للأطفال والباقي ما بين مؤسسات إعلامية وصحية ودينية.
هذه الإحصائيات تظهر أن الضرر الذي لحق بهذه المؤسسات والجمعيات ليس هيناً ويتوجب على وزارة الثقافة معالجة هذا الأمر، خاصة وأن هذه المراكز هي من رموز وشواهد الحالة الثقافية الفلسطينية ومن دعائم المشهد الثقافي الفلسطيني.
لذلك قامت وزارة الثقافة بتوزيع مساعدات طارئة على الجمعيات والمؤسسات المتضررة إضافة إلى الرسامين والفنانين التشكيليين الذين تضررت مراسمهم وأماكن عملهم.
تعزيز ثقافة المقاومة
كان المؤتمر السنوي الأول للمراكز والمؤسسات الثقافية والذي انطلق في شهر يوليو الحدث الأبرز لهذا العام خاصة بعيد انتهاء الحرب الصهيونية على غزة، أما ما أكسبه اهتماماً أكبر من قبل المثقفين والمحللين في الداخل والخارج فهو العنوان الذي جاء به "تعزيز ثقافة المقاومة".
كان هذا المؤتمر تجربة أولى وفريدة وبعنوان يحمل بين طياته شكل جديد للثقافة الفلسطينية، واشراقة في صورة المشهد الثقافي الفلسطيني خاصة في ضوء المتغيرات والمستجدات على الساحة الفلسطينية، والتي يعتبر المشهد الثقافي جزء لا يتجزأ منها، لذلك هدفت الوزارة من وراء إطلاق هكذا مبادرة إلى وضع إطار عام لنهضة ثقافية وطنية شاملة تقوم على تدعيم مفاهيم المقاومة والتحرر، ترمي أيضاً ومن خلال أهداف جزئية إلى تدعيم التعاون بين الوزارة والمؤسسات والمراكز الثقافية كون هذه المراكز أحد دعائم المشهد الثقافي الفلسطيني ومن واجبها حسبما تري الوزارة أن تقوم بدورها من خلال دمجها في الحياة الثقافية من أجل واقع ثقافي يخدم القضية الفلسطينية، ليست المؤسسات الثقافية وحسب بل تسعى الوزارة أيضا من خلال هذا المؤتمر إلى دمج المثقف الفلسطيني في الحياة الثقافية الفلسطينية واستنهاض همته واستثمار طاقته ليتبني قضايا الشعب الفلسطيني، خاصة وأن المثقف الفلسطيني عاني من التهميش والإهمال خلال الفترة السابقة ولم يكن له دور في إضفاء إبداعاته على الساحة الثقافية الفلسطينية.
شكل نجاح المؤتمر في جمع عدد كبير من المثقفين والمفكرين والأدباء والكتاب إضافة إلى مؤسسات ومراكز ثقافية من شتى أطياف الشعب الفلسطيني والخروج بتوصيات موضوعية ليتم تطبيقها على الساحة الثقافية الفلسطينية، علامة بارزة على صعيد النهضة الثقافية الفلسطينية كما أرسى قواعد لبناء مجتمع مقاوم من خلال تفعيل دور كافة المؤسسات في هذا الاتجاه والذي كان مؤتمر تعزيز ثقافة المقاومة خطوة نحو الطريق إليه.
إذا كانت الحرب قد وضعت أوزارها فإن الحصار مازال ومنذ 3 سنوات يتشدد يوماً بعد يوم ملقياً بظلاله السوداء على كل القطاعات ومسبباً أضرار جمة على الفرد والمجتمع والحكومة، لكن ورغم ذلك يحاول الشعب الفلسطيني مقاومة هذا الحصار والصمود في وجهه بكل ما أوتي من قوة وإمكانيات.
وزارة الثقافة حالها حال كافة وزارات ومؤسسات الحكومة الفلسطينية نالت نصيبها من آثار الحصار الصهيوني على غزة ما أثر على سير عملها ووضع حجر عثرة أمام إكمال مسيرتها نحو النهضة الثقافية التي ترسم وتخطط لها.
أزمة الكتاب
منذ أن ضرب الاحتلال حصاره المشدد على قطاع غزة بهدف إركاعه وفرض الإملاءات عليه من خلال منع وتقليص دخول المواد الأساسية والمعدات الطبية ومنع المرضى من السفر، أضاف الاحتلال الكتاب إلى قائمة الممنوعات، فمنع دخول أي كتب إلى قطاع غزة، وهو كما يبدو أنه خطة ترمي إلى تجهيل الشعب الفلسطيني والحد من اطلاعه على الثقافات والحضارات الأخرى والتواصل معها وإبقاءه في بقعة مظلمة يسودها الجهل والتخلف.
ونتيجة لذلك ناشدت وزارة الثقافة الهيئات الثقافية الدولية للتدخل لوقف هذا الحصار الثقافي، كما طالبت بإدخال الكتب إلى قطاع غزة لإثراء المكتبات والمؤسسات الفلسطينية بالكتب، مطالبة أيضاً كافة الجهات المساندة للشعب الفلسطيني بوضع غذاء العقل في قائمة المساعدات المرسلة إلى قطاع غزة من منطلق أن غزة لا تريد طعام وشراب فقط بل تحتاج إلى الكتاب أيضاً.
لم تكن أزمة نقص الكتب هي المشكلة الثقافية الوحيدة التي سببها الحصار، فيضاف أيضاً عدم إمكانية التواصل مع العالم الخارجي والاطلاع على الثقافات والحضارات وصعوبة إرسال البعثات الثقافية أو استقبال أي وفود من بلاد العالم إضافة إلى ضعف توفير متطلبات النشاطات والتظاهرات الثقافية.
هذه السلسلة الطويلة من الأزمات التي خلفها الحصار لم تثني الوزارة عن القيام بكل جهد ممكن والبحث في كل سبل ممكنة من أجل الارتقاء بالثقافة والمثقف الفلسطيني بهدف رسم صورة مشرفة للشعب الفلسطيني وعاداته وتقاليده وجميع مكونات ثقافته الأصيلة.
وأخيرا،ً فالجدير بالذكر أن وزارة الثقافة تأخذ دوراً ريادياً في إحياء فعاليات الذكرى الأولى لحرب الفرقان بجانب باقي وزارات الحكومة الفلسطينية، حيث تسعى الوزارة من خلال هذه الفعاليات إلى تعزيز ثقافة الصمود والمقاومة، وتوعية فئة المثقفين إلى دورهم الريادي في تبني القضايا الوطنية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في كافة المحافل.

