عام كامل غابت فيه زينب القولق عن الأنظار، اثني عشرة شهراً أمضتهم غارقة في تصديق فاجعتها والتحقق من صحة كابوسها المخيف، أفاقت ابنة الاثنين وعشرين ربيعاً أخيراً على حقيقة دفن أفراد عائلتها الـ22 جملة واحدة، دون مراسم وداع وتشييع يليق بحجم الفاجعة، في حدث أقل ما يسمى بالمجزرة.
ليلة يوم السادس عشر من شهر مايو عام2021، دُفنت الشابة "زينب" تحت أنقاض أربعة طوابق من بيتها المقصوف لأكثر من اثني عشرة ساعة في شارع الوحدة وسط حي الرمال، بقيت على قيد الحياة رغم ملاصقة الموت لها وقبضه على أرواح عائلتها "أمها، أختها، أخويها، رضيعهم، جديها، أبناء عمها بأمهاتهم ،.. والقائمة تطول".
اليوم وبعد عام على فاجعتها وقفت الشابة زينب بثبات أمام لوحاتها التسع، في معرض يوازي بيت عزاء يتيم شيّعت فيه أفراد عائلتها وأسمته بـ"عمري 22 وفقدت من 22 شخصاً"، أطلقت صرخاتها عبره بألوان ريشتها التي لم تخلو من اللون الأسود ممزوجاً بالرماد.
"نصف وجه محطم، وذاكرة بأكملها عاث الدمار خراباً بأنحائها"، هذه واحدة من اللوحات التي رسمتها ابنة الموت وصديقة الراحلين وبطلة القصة، بل على عكس ما يردد الزائرون بأنها الناجية الوحيدة، هي تلك الوحيدة التي لم تنجو من ويلات الحرب وندوب جراحها التي كلما مرّ عليها الزمن زادتها نزفاً وإيلاماً.
أما تلك اللوحة السوداء، يصطف بداخلها اثنين وعشرين كفناً أبيضاً، لا تتساوى أحجام الموتى بداخلها، فأحدهم رضيع والأخرى أمه وأحدهم صغير والآخر جده، وكلهم جميعاً على وتيرة واحدة من الموت الأخير، لم تودعهم زينب ولم تلمح جنائزهم حتى، ولم تصدق بعد أنها بقيت وأبيها وأخيها دوناً عن كل العائلة أحياء.
وفي لوحة مخيفة –كما وصفتها زينب-، رسمت بداخلها أفراد عائلتها بشخوصهم وألوان ملابسهم لتحاكي بها صورة حقيقية جمعتها بهم قبل عام واحد، كانت مناسبتهم سعيدة لتخرّج شقيقها الأكبر "طاهر"، بينما كانت تحمل هي باقة ورد حمراء، وفي لوحتها القاتمة أبقت أخيها أسامة ووالدها شكري ووجهها بلا ملامح ودون باقة الورد، وأبقت ملابس الآخرين من إخوتها الشهداء فارغة من أجسادهم، تقول زينب: "تخيفني الملابس الفارغة من أصحابها بل وتبدو مؤثرة بالنسبة لي، فهي ألوان مختلطة بالدموع".
الصورة العائلية المكتملة بسبعتهم كانت ستتكرر بتخرّج زينب من كلية الآداب للغة الإنجليزية بالجامعة الإسلامية، وكانت العائلة تستعد ليومها المنتظر في تاريخ أفراحها، لكن زينب تخرجت بلا عائلة وكانت وجهتها الأولى لتحمل لهم خبر إنهائها مسيرتها التعليمية شواهد قبورهم مجتمعين.
لأول مرة يطلب صاحب معرض فني من جمهوره ألا يصفقوا لإنجازه، وألا يضحكوا بين أروقة لوحاته الفنية الممتلئة بالموت، لأول مرة يكون من غير اللائق، بل ليس مسموحًا أن تهنئ صاحب المعرض وتقول له "هنيئاً لك هذا العمل"!، وكيف يفعل الزائرون وأمامهم تسع لوحات مع نصوص تحكي عن فقد أكبر من أن يستوعبه عقل إنسان؟.
زينب "الناجية" لا "الضحية" –كما تحب تسميتها-، شيّعت اليوم في معرضها الفني وسط حضور كبير في مقر الأورو المتوسطي بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين، أمها أمل، وأختها هناء وأخويها طاهر وأحمد، وجديها، والأطفال أمين وسعدية وبهاء وختام وفواز وريهام وعبد الحميد وسامح وآيات وقصي ودعاء وعزت وزيد وآدم ومحمد وحلا ورولا ويارا.
أطلّت خريجة الآداب بعد عام من المجزرة بلوحات فنية اشتغلت على أن تكون مساحات مختلفة للحكاية تحمل ملامح الوجع والأمل والغياب، تستقبل الحياة بإصرار وإرادة، وتختصر ملامح مدينة تخرج من بين الأنقاض بكل ما في خلاياها المصابة من ألم: لتصرخ مجدداً في وجه ماكينة القتل الاستعماري، سنحيا رغم الموت، أوقفوا الحرب!.
وبطريقتها خرجت الفنانة زينب للعالم عن صمتها بمزيج من الألوان وقماش اللوحات المشدود بين الفكرة والرؤية والغياب، وتبنت رواية الحكاية لمدينتها بأكملها، ولعائلات أخرى مجاورة عاشت تفاصيل قصتها.
نجت ابنة العشرين بجسدها بينما أصيبت روحها بجراح لن تندمل على مر السنين، وكيف تُشفى بعدما فقدت في لحظة واحدة اثنين وعشرين قلبًا كانوا يحيطون بها على مدار اثنين وعشرين عامًا من عمرها، واختارت زينب أن تكسر حاجز الصمت بعد عام من الصدمة والتأمل الذي يحفه الموت.

