تامر الشريف
وزارة التربية والتعليم العالي
قبل عام كانت غزة على موعد مع حلقة جديدة من الإرهاب الصهيوني الشامل ضمن سلسلة دموية طويلة أكدت على منهجية متأصلة في الفكر الصهيوني القائم على العدوانية ومبادئ باطلة رسختها بروتوكولات جعلت من استهداف المدنيين وسيلة مشروعة لتحقيق الأهداف، وقد كانت العملية الصهيونية التي سميت بالرصاص المصبوب واحدة من أكثر الحروب قذارة وتخطيطا لتقويض نظام سياسي شرعي وإنهاء عمر حكومة منتخبة استطاعت أن تقف أمام أقوى العواصف والمكائد والتحديات بقوة وصلابة، حرب جاءت ضمن حالة مستمرة لتدمير المؤسسات المدنية والسيادية و إثارة الفوضى وتعميم الخراب والدمار وإشعار الآخرين بالعجز والضعف والفشل في مشروع سار بخطى ثابتة في غزة، حربٌ مثلت جزءا من فلسفة وعقيدة صهيونية ترى في إثارة الخراب إنجازا وفي سفك الدم المحرم انتصارا وفي وأد الطفولة والبراءة بطولة وفي إشاعة الخوف والرعب تشفيا، حربٌ أرادت التأكيد على أن ما دون اليهود هم عبيد ملزمون بالخضوع لجبروتهم والدوران في فلكهم تنفيذا لمشيئة الرب التي ابتدعها أحبارهم بمؤلفات كاذبة وكتب محرفة مضللة تدعي أن العالم خلق ليركع لهم .
لقد أفصحت الحرب المجنونة على غزة عن حقد متأصل في نفوس صناع الإرهاب، وأماطت اللثام عن دموية لا تعرف حدودا ولا تقف عند مبدأ وقيمة، ولا تخجلها لحظة ألم أو ضعف دمعة أو انكسارة نفس، فالحرب لم تستثن الأجنة في بطون أمهاتهم، ولم تستثن الأموات في زخرفهم، ولم تستثن الحجارة القائمة ولا المآذن الشامخة والبيوت العامرة التي أحالتها إلى ركام وحجارة متناثرة ، جنون لم يعرف له التاريخ مثيلا عندما تحركت آلة الحرب نحو أهداف مفتوحة،لم تمنعها شارة دولية من الاستمرار، ولم تجبرها علامة خاصة مميزة عن التوقف، ولم تحل راية أو علم عن مضيها في تنفيذ خطة عنوانها "مزيد من القتل" "مزيد من الدم" " مزيد من الدمار"، وما لم يتحقق بالقوة يمكن أن يتحقق بمزيد من القوة!
وضمن هذه الحالة العامة التي عاشتها غزة على مدار الساعة، كان استهداف المدارس والمؤسسات التعليمية خلال الحرب، ولا يمكن تبرير ذلك أو القطع بأنه غير مقصود أو طارئ، أو أنه جاء دون تخطيط مسبق، فرضت وقائعه طبيعة المعركة وظروف الميدان، كما لا يمكن التصديق بعدم معرفة العدو لطبيعة الأماكن التعليمية وخصوصيتها وحصانتها وقداستها.
و لعل الصور التي بثت خلال الحرب وبعدها وظهر فيها جنود الاحتلال وهم ينتشرون بسلاحهم المدجج في مدارس شمال وشرق القطاع بعدما اعتلوا مبانيها وحولوها إلى ثكنات عسكرية خير دليل على الوحشية المبيتة والنوايا السيئة لقادة الإرهاب الذين وضعوا أهدافا غير معلومة أضيفت إلى ما روّجوا إليه، ومن بينها المس بالتعليم وتدمير المؤسسات والمباني التعليمية وبث روح الخوف والذعر بين الطلبة وهم يشاهدون الجنود القتلة يتجولون في مدارسهم بأسلحتهم، ويزرعون الفوضى فيها، ويحيلون أجمل ذكرياتهم مع أصدقائهم ومربيهم إلى كوابيس حين يشاهدون مدارسهم وقد أصبحت معتقلات لآبائهم وذويهم، يتم فيها التحقيق معهم وتعذيبهم ، وتنطلق من صفوفهم الدراسية وساحات لعبهم الدبابات والآليات التي تنفذ المجازر وتنشر الرعب والقتل.
أراد العدو أن يرسخ هذه المشاهد في عقول الطلبة و الأطفال، لتبقى ذكريات الخوف تسيطر عليهم ولا تمحى من أمامهم، و أراد أن يغير من الصورة النمطية للأماكن المحرمة من الاستهداف، ليدرك الطفل أن لا مكان آمن يمكن أن يحميه، وأن لا شفاعة أو حصانة لطفل يحمل كراسته وحقيبته يمكن أن تمنع من قتله، وهي بلا شك ممارسات مقصودة ستترك آثارها على تحصيل الطلبة ومستقبلهم العلمي وعلى حالة استقرارهم.
لقد حرص العدو أن يستهدف المدارس ويبث صوره المخيفة منها، وتعمد أن يظهر الخراب الذي أوجده ليقول إن المدرسة وإن كانت مهدا للتعليم فهي عند الفلسطينيين بؤرة للإرهاب وجبهة مفتوحة يجب أن تطالها أيدينا، وإن كان الفلسطينيون لا يستخدمون فيها كلاشينكوف ولا يتدربون فيها على صناعة الصواريخ وخطف الجنود، فإنها الميدان الأكثر خطورة والأشد فتكا بوجودنا، فهي عنوان للتنشئة والبناء، فيها تكرس القيم والأخلاق، وتثبت الحقوق، وتخرج الأجيال التي ستواصل معركتها، ومن خلالها سيعرف الأطفال عدوهم ويحفظون أسماء قادتهم ويتذكرون مدنهم التي هجروا منها وقراهم التي دمرتها عصابات صهيونية، ولهذا كان استهدافها المباشر لأنها باختصار مصنع متكامل يصيغ الشخصية الفلسطينية الحقيقية ضمن الثوابت والقيم الوطنية والإسلامية التي لا يرغب العدو بها، ويسعى اليوم لخلق بديل عنها من خلال الفلسطيني الجديد الذي يريده بمواصفات ومقاييس يحددها، بل يسعى جاهدا لإقرار مضمون المنهاج الفلسطيني بما يحقق أهدافه، فهو يريد جيل بفكر مشوه وثقافة عوراء تمسخ ذاكرته وتنسيه وطنه وتحرف تاريخه وتلغي قيمه وتحد من أخلاقه.
لم يتوقف الاعتداء على المؤسسات التعليمية عند انتهاء الحرب، بل استمر بأشكال مختلفة، فالعدو لم يكتف بقتل وجرح المئات من الطلبة والمعلمين، ولم يكتف بتدمير مئات المدارس ومنع إدخال المواد الأساسية لإعادة بنائها، بل منع في بداية العام الدراسي دخول القرطاسية والكتب، ويسعى حثيثا منذ فترة لتغيير المنهج وتحديد مساره وفق رؤية خاصة تخرجه من معايير الوطنية والأخلاق.
إنها حرب شاملة ومستمرة على مدار الساعة، أدواتها ليست صاروخا ورصاصة، وميدانها ليس في أرض المعركة فحسب، إنها حرب فكر وعلم وإرادة، تحتاج لجهد المخلصين وصدق المسئولين الذين تقع على عاتقهم حماية عقول الأجيال من الضياع والانحراف والتشويه.

