عبثاً لا متسع لأن يعلن الأطفال الفلسطينيين في غزة أحلامهم، فكل أسباب الأمان يُفقدها صاروخ متفجر يختار وجهته نحو قلوب قلوبهم أوّلاً، ومن ثم يصيب أمهاتهم وآبائهم بفاجعة تستجلب الصراخ والتكبير.
هذا جثمان الطفلة ليان بلال مدوخ، ابنة الأعوام التسعة، كان ذنبها الوحيد أنها اتخذت من عتبة بيتها مجلساً لها، تحاول إشغال وقتها بمشاهدة المارة من أمام البيت الذي تقطن فيه، ولكن على عجل أصابها غدر صاروخ اختار أن تكون وجهته تلك الطفلة الشاردة عيونها.
في اليوم الثاني للعدوان، لم يكف الاحتلال عن مقارعة الأطفال بصواريخه الماطرة وسط سماء القطاع، لتنضم الشهيدة الطفلة "ليان" إلى قافلة أصدقائها الأطفال في رحلة طويلة أبدية.
وفي اللحظات الأولى التي وقعت فيها الغارة "الإسرائيلية" على منطقة الصحابة وسط قطاع غزة، وأعلنت فيها وسائل الاعلام استشهاد الطفلة مدوخ، سرعان ما بدأ الأقارب والأصدقاء نشر الفيديوهات القصيرة والقصص المختصرة عن تلك تتعلق بالعصفورة الجديدة.
واحدة من معلمات مدرسة "فهمي الجرجاوي" والتي درّست الطفلة، كتبت على صفحتها الإلكترونية في فيس بوك: "وجعتي قلبنا يا ليان، ما عرفتك إلا طالبة مجتهدة مؤدبة خلوقة تفضلين ممارسة هوايتك في إلقاء الأشعار على مسمع الطالبات في الإذاعة المدرسية"، مضيفة أنها لن تكون منسية من بين الوجوه في المدرسة.
ويظهر مقطع فيديو قصير كانت بطلته الطفل "ليان" تقول فيه "أنا طفلة مسلمة، تحيتي لكل مسلم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، العجيب أن مثل هذه المقاطع شيّعت الطفلة على منصات التواصل الاجتماعي قبل تشييعها على الأكتاف.
وسرعان ما حُملت الطفلة على الأكتاف وسط لحظات الذهول التي يمر بها والدها ورجال المارة، ما دفع والدها لحظته تلقيه الخبر للجري والهرولة خلف جثمان ابنته باحثاً عنها داخل ثلاجات الموتى غير مصدق ما حصل في ثوانٍ معدودة.
الهتاف بالتكبير، واحدة من مراسم تشييع الشهداء والأطفال في فلسطين، وكانت "ليان" الطفلة الخامسة التي قتلتها صواريخ الاحتلال، فحظيت بجنازة محمولة على أكتاف أعمامهم والجيران، في مسيرة تشييع تسابق الزمن قبل غروب الشمس.
غادرت الطفلة "ليان" الحياة وحدها دون إكمالها أحلامها البريئة، وبقيت شقيقتها مصابة في مستشفى الشفاء بغزة، لكن ثمة ما يجب ذكره بأن ليان كُفنت بعيون مفتوحة وكأنها الشاهد الأول على جريمة قتلها بدم بارد.
ومنذ صباح اليوم الأربعاء، ارتقى ستة شهداء بينهم طفلين في قصف (إسرائيلي) استهدف عدة مناطق في قطاع غزة، وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية، بأن عدد شهداء العدوان (الإسرائيلي) على غزة منذ أمس بلغ 26 شهيدا و76 مصاباً.

