غزة- وكالة الرأي - فلسطين عبد الكريم
بحرقة وألم يعتصران قلبه الصغير ودموع تنساب بغزارة على وجهه، جلس الطفل مجاهد طه على ركام منزله في بيت لاهيا شمال قطاع غزة بعد أن سوَته طائرات الاحتلال بالأرض، ودفنت أحلامه وأضاعت شقى وتعب سنوات طويلة من عمر عائلته التي أصبحت دون مأوى في لحظات.
لم ينبس مجاهد ببنت شفة وهو يرى منزله الذي قضى في جنباته أوقاتاً جميلة ينهار أمام عينيه، بات كل شيء الآن مجرد ذكريات، أشاح بوجهه يمنة ويسرة وكأن عقله الباطن لا يريد أن يصدق، حاول أن يتماسك قليلاً، لكنه لم يستطع أن يخفي حجم حسرته، قائلاً:" آآه..يا الله".
ضاع شقى العمر
لم يكن قلب الصغير فقط الذي بكى ألماً على تدمير منزله، فجده الطاعن في السن ذو اللحية البيضاء هو الآخر بكى بحرقة على ضياع شقى سنوات تكلل ببناء بيت يأويه وأولاده وأحفاده.
لم تستطع قدما الرجل على حمله، ليستند بيديه على بعض شباب الجيران الذين جاؤوا لمواساته في فاجعته، وهو يضرب كفاً بكف، ويلوح بيديه نحو منزله لا يكاد يصدق من هول ما تراه عيناه، ما كان يدور في رأسه، نطق به لسانه:" ياربي..وين أروح يارب"، يأتيه الرد المؤلم من أحد أبنائه وهو يتفقد محتويات البيت التي دفنت تحت الركام:" في الشارع يابا.. وين بدنا نقعد، بيعوض الله ياحج".
وفي بيت حانون شمال قطاع غزة، لم يكن حال عائلة أبو خاطر أفضل من غيرها من العائلات التي دمرت الطائرات الحاقدة منازلها في لمح البصر، وجلست النساء يتفقدن بعض محتويات البيت، واستخراج بعض الأثاث الذي دفن تحت الركام.
قتلوا فرحة عريس
صواريخ الاحتلال لم يرق لها أن تكمل فرحة العائلة التي كانت تخطط لتزويج ابنها، فقد دفن المهر تحت الركام، وحرموا فرحة رؤيته عريساً مثل باقي الشباب في عمره.
تقول ربة البيت في حديث لـ"الرأي":" كنا نتناول طعام الغداء برفقة زوجي وبناتي الجامعيات، نخطط ونتجهز لدفع مهر ابني، لكن كل شيء بات تحت الركام، الكتب والحقائب..لم يبق أي شيء".
وعلى أطلال منزل عائلة المصري المدمر شمال قطاع غزة لم يكن الأمر مختلفاً، فالجميع يعيش حتى اللحظة تحت تأثير الصدمة والفاجعة بعد تعرض مأواهم الوحيد للقصف والتدمير.
تقول إحدى نساء العائلة وهي تتأمل أنقاض منزلها بعد أن أصبح كومة من الركام: " زي ما دمرونا الله يدمرهم، هل ارتاحوا الآن، هل حققوا أمانيهم..لا والله لم يحققوا"،" عبارات تحمل في طياتها حزناً وحسرة، بفعل طائرات الاحتلال الجبانة التي تتلذذ بالانتقام من الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة.
وتضيف في حديث لـ"الرأي":" كل بيوتنا فدا الشباب، كل البيوت التي في الدنيا لا تسوى أن يصيب أحد الشباب أي مكروه، الشعب الفلسطيني الله يقويه وينصره على من يعاديه".
صمود رغم الألم
وفي شرق خان يونس جنوب قطاع غزة، بدت المواطنة أم رامي أبو طير أكثر قوة وعزيمة بالرغم من قصف طائرات الاحتلال لمنزلها.
وبعزيمة وثبات كبيرين، تردد أم رامي عبارات الحمد لله، وأنها ليست نادمة على أي حجر، موضحة أن منزلها فداء للوطن ورجال المقاومة الفلسطينية.
وتابعت حديثها بالقول:" حسبنا الله ونعم والوكيل، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منه"، ثم انطلقت تزغرد بعزة وفخار.
أما في دير البلح وسط قطاع غزة، فقد تفاجأت عائلة بشير بأن منزلها ضمن قائمة أهداف الاحتلال، أشبه بحلم راود أفراد الأسرة، نساء خرجن بسرعة البرق، وأطفال صغار كانوا نيام، استفاقوا على أصوات صراخ أمهاتهم.
يقول أحد شباب العائلة:" كنا نجلس في أمان الله، فوجئنا بالجيران والأقارب يبلغوننا بقرار قصف المنزل من قبل طائرات الاحتلال، أصبحنا كمن يعيش في حلم، ترى ما الذي يحدث"، موضحاً أن استهداف المنازل والأطفال عار سيلاحق الاحتلال.
وفي اليوم الخامس على التوالي من عمر العدوان، لا زال الاحتلال يواصل سلسلة غاراته على قطاع غزة، استهدف من خلالها العشرات من منازل الآمنين، في وقت تواصل فيه المقاومة الفلسطينية الرد بقوة واستبسال ضمن عملية ثأر الأحرار.
وفي تحديث الأضرار التي تسبب بها العدوان حتى اللحظة، أوضح المكتب الإعلامي الحكومي، أن الاحتلال دمّر 15 منزلاً بما مجموعه 51 وحدة سكنية هدم كلي، وتضرر 940 وحدة سكنية منها 49 وحدة سكنية غير صالحة للسكن وقد بلغت قيمة التقديرات الخسائر الأولية قرابة 5 مليون دولار.
وحتى هذه اللحظة لا زالت طائرات الاحتلال تستهدف منازل المواطنين بغزة وتدميرها بشكل كلي، ويحاول الاحتلال من خلف تلك الهجمة الشرسة واستهداف المدنيين والمنازل الأمنة، الضغط على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة للرضوخ له والقبول بتهدئة دون شروط، ووفق رغبات قادته.

