غزة – خاص الرأي - فلسطين عبد الكريم:
مساء يوم الثالث عشر من مايو الجاري، دق رنين هاتف "جلال نبهان"، دوّن على شاشته "رقم خاص" يتصل بك، امتدت يده للرد على المكالمة، كان على الطرف الآخر ضابط الاستخبارات "الإسرائيلي": "معكم خمس دقائق فقط لإخلاء المنزل تمهيداً لقصفه".
تلعثم جلال وتسمّر في مكانه من وقع الصدمة، ثم حاول بشتى العبارات استعطاف الضابط: "هناك مرضى لا يسمعون، أغلب العائلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما ذنبهم؟"، جل هذه التوسلات لم تُحرّك ساكناً بعدم قصف المنزل المكون من أربعة طوابق، ويضم بين جنباته ثماني شقق وذكريات 40 فرداً، بينهم 10 من ذوي الاحتياجات الخاصة.

على عجل، قذف جلال بهاتفه إلى ابن عمه حسام، الذي حاول جاهداً المماطلة في الحديث مع الضابط "الإسرائيلي"، واستعطافه بأن المنزل يأوي أشخاصاّ من ذوي الإعاقة، وأنه من الصعوبة إخلائهم، إلا أن محاولاته كانت بلا جدوى.
لم يجد الاثنان مفراً سوى الاستعجال بإخلاء أفراد العائلة من البيت قبل أن يهدم على رؤوس ساكنيه، بعدما رفض ضابط الاحتلال إطلاق صاروخ تحذيري ينذر العائلة، بذريعة أن صاروخاً واحداً يكلف الكثير.
في ثوانٍ عصيبة، استنجدا ببعض الجيران والأقارب في حمل الأطفال الذي كانوا يغطون في نوم عميق، فيما عجزت الشقيقات من ذوي الاحتياجات الخاصة عن الحركة سوى بكراسي متحركة حصلت عليها العائلة من تبرع من مؤسسة خيرية.
خرج أفراد العائلة، وعيونهم ترقب مأواهم الوحيد وهو يدمر عن بكرة أبيه، حالة من الهلع سكنت قلوبهم، وصراخ أطفال دوى في المكان خوفاً، بعضهم دخل في انهيار شديد، والجميع يتساءل: "ما الذي يحدث؟"، جاء الرد مدوياً مع أول صاروخ من طائرات الاحتلال الحربية المقاتلة، وفي غمضة عين سوّى المنزل بالأرض وأصبح أكواماً من الرُّكام، تحطمت معه أحلام العائلة وذكرياتها.

خمسة دقائق من عمر العائلة، لم تكن كافية لانتشال الأدوية والكراسي البلاستيكية بابنتهم آيات (29 عاماً)، وحنين (16 عاماً) اللتان تعانيان من إعاقة حركية في ساقيهما وتعجزان عن المشي الطبيعي، وأريج (18 عاماً) التي تعاني هي الأخرى من زيادة نسبة كهرباء الدماغ، فيما يعاني جلال البالغ من العمر (38 عاماً) من إعاقة حركية كذلك.
أضعاف مضاعفة من البّؤس سكن في قلوب أفراد العائلة المكلومة، اكتست وجوههم بتأثير الصدمة والحسرة، كان أشدها على رب الأسرة "خالد نبهان" أقوى، فهو لم يحتمل ما رأته عيناه، وانهارت أعصابه وقواه عقب تدمير منزله وحمل إلى المستشفى على عجل.
صباح كل يوم، يتكوّم أفراد العائلة على أطلال منزلهم، الجميع يعيش في حيرة وصدمة بليغة لم يستفيقوا من هولها بعد، وجوم يخيم على ملامحهم، يشتكون لرب السماء ظلم الاحتلال، وعبارة الحمد لله لا تفارق ألسنتهم.
تحت طبقة من سقف المنزل المدمر، احتمى أطفال "نبهان" من أشعة الشمس الحارقة وقت الظهيرة يفترشون بعضاً من قطع الملابس المتهالكة، فيما استسلم آخرون للنوم علّه يُهدّئ من فظاعة الجريمة التي تعرّضوا لها.
على قطع من الحجارة تجلس نجاح نبهان "أم جمال"، وهي تحتضن ابنتها أريج التي تعاني من إعاقة حركية، تقول وتعابير وجهها مليئة بالحزن: "كانت ساترانا الدار، إلى أين سنذهب الآن، أنام عند الجيران يوم، اثنان، لكن إلى متى الجيران سيتحملونك؟".

تعود "أم جمال" بذاكرتها يوم قصف المنزل: "صُعقت عندما سمعت أن بيتي ضمن بنك أهداف الاحتلال، شعرت بالجنون، لم أشعر بنفسي والنساء يقمن بوضع الغطاء على رأسي، خشيت على بناتي وأولادي، أين سأذهب بهم، لكن الحمد لله على كل شيء".
"كل شيء بات تحت الركام، بطاقات الهوية، والكراسي المتحركة، والأدوية الخاصة الني نحصل عليها من مراكز خاصة وهي غير متوفرة دائماً في الصيدليات بغزة"، تقول أم جمال.
وتتأمل السيدة الخمسينية إغاثة عاجلة وأن يتحقق حلمها بتوفير منزل تجمع فيه أولادها وبناتها من ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة بعد أن اجتمع عليهم الإعاقة والفقر والحاجة، وتضاعفت معاناتها بالتشرد جراء قصف المنزل.
لم يكن منزل عائلة نبهان الوحيد الذي نسفت فيه طائرات الاحتلال أحلاماً وذكريات الكثيرين، فخلال خمسة أيام من العدوان على قطاع غزة، قصف طائرات الاحتلال الحربية المقاتلة العشرات بل المئات من الوحدات السكنية ودفنت آمال أصحابها تحت الركام، وأصبحوا دون مأوى.

قالت وزارة الأشغال العامة والإسكان، التقديرات المالية للمبالغ اللازمة لإعادة إعمار ما دمره الاحتلال خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، بلغت ما يقارب 10 مليون دولار، وأكدت أن هذه التقديرات أولية قابلة للزيادة بعد اكتمال الحصر النهائي الجاري حاليا والمتوقع انتهاؤه خلال ثلاثة أسابيع.
وحسب وكيل وزارة الأشغال جواد الأغا، فإن عدد الوحدات السكنية المهدمة كلياً خلال العدوان بلغ (103) وحدات سكنية، بالإضافة إلى تضرر ما يزيد عن (2800) وحدة سكنية بشكل جزئي، منها (140) وحدة سكنية صنفت كوحدات غير صالحة للسكن.
وأوضح أن العدوان تسبب في تشريد أكثر من 200 أسرة مما يعني أن أكثر من (1000) مواطن فلسطيني أصبحوا الآن بلا مأوى ويعيشون في ظل ظروف إنسانية صعبة، وهم بحاجة إلى التدخل العاجل من خلال توفير مبالغ إغاثية وبدل إيجار كحل مؤقت لحين توفر تمويل لإعادة إعمار منازلهم.

