على مفترقات الطرق المنزوية من شاطئ البحر يفترش بائعو العنب محصولهم الأصفر ذو المذاق الحلو لإنجاز مهمة بيعه قبل مغيب الشمس، يلمع تحت مظلة تلقي بأطرافها على قطوف العنب اللامعة، بينما يستقر الشاب ذو البشرة القمحية تحت لهيبها لساعات.
محمد شملخ (22 عاماً) يحرص يومياً على وجوده برفقة عربته المتنقلة منتصف شارع الجلاء، يستقر بمحصوله وقت الظهيرة لبيع حصاد العنب اللذيذ لمختلف فئات الموظفين المغادرين من مكاتب عملهم في ذات الموعد.
ويقول الشاب شملخ لـ "الرأي": "بنادي على بضاعتي يا عنب الشيخ عجلين يا سكر، وربنا بسهل البيعة غالب الأحيان"، مضيفاً أن هيئة العنب وقت الظهيرة يفرض نفسه على المارة لشراء قطوفه الحلوة بلا تردد.
وجد الشاب شملخ سهولة في بيع العنب الذي يقطف من منطقة الشيخ عجلين، ويشتهر بلذته ومذاقه المعسول في نهار الصيف الملتهب بالحرارة والرطوبة المرتفعتين معاً، بينما يجد الموظفين والمارة ضالتهم على عربته الصغيرة.
الشاب العشريني هو واحد من عشرات الشباب في عائلته الذين يعملون في كروم زراعة العنب الفلسطيني الأصيل، وهو وواحد ممن يعيل أفراد عائلته وبيته بدءا من زراعة العنب وحصاد أوراقه التي يفضل أهلها طبخها ومن ثم حصاد قطوفه.
انخفاض ملحوظ
ويعد العنب من أشهى الفواكه الصيفية لدى الغزيين خاصة عنب الشيخ عجلين المعروف بجودته العالية ولونه الأصفر الفاقع ومذاقه الحلو، وتشتهر منطقة الشيخ عجلين في فاكهتها منذ زمن بعيد، خاصة فاكهة التين والعنب والصبر والمانجا، ويصطف بالقرب من شاطئ البحر مجموعة من الباعة، لعرض فاكهة الصيف الشهية على بسطاتهم بشكل لافت.
مدير دائرة البستنة الشجرية بوزارة الزراعة، محمد أبوعودة، يؤكد أن التغيرات المناخية أدت إلى انخفاض ملموس في إنتاج العنب خلال الموسم الحالي، والتي تتركز في منطقة الشيخ عجلين جنوب مدينة غزة، لاسيما في ظل انخفاض انتاجيته هذا العام بسبب التغيرات المناخية.
ويوضح أبو عودة لـ "الرأي" أن مساحة الأراضي المزروعة بالعنب في قطاع غزة تقدر بحوالي 7000 دونم، منها 6000 دونم مثمرة، والإنتاج المتوقع للعنب في الموسم الحالي يصل إلى 4000 طن من الأصناف المختلفة.
ويعود سبب غلاء فاكهة الصيف "العنب" إلى قلة منسوب انتاجه لهذا العام، فيباع الكيلو الواحد بحوالي 8-9 شيكلاً، ويلفت المزارع شملخ إلى فاكهة التين بأنها توفرت بكميات وفيرة ما جعل سعرها في متناول الجميع.
زبيب وخل
ولا يقتصر استخدام العنب على أكله فحسب، بل يمتد لتجفيفه ليصير "زبيب" ولعصره ليصبح "خلاً"، حيث يستخدم في الكثير من الوجبات والأكلات، فيما تصنع بعض العائلات الدبس، والمُربى.
ويعتبر العنب ثاني أكبر المزروعات في فلسطين بعد الزيتون، ويعيل محصوله آلاف الأسر، وتحتل الخليل المرتبة الأولى في إنتاجه بواقع 50 ألف طن سنويًا، إلا أنه يشهد حاليًا تراجعًا متفاوتًا نتيجة تضرر الأراضي الزراعة من الاستهدافات المتكررة.
ودأبت قوات الاحتلال على تجريف أراضي المزارعين تكراراً، بالإضافة إلى منعهم من قطف ثمار العنب وخاصة في المناطق المحاذية للمستوطنات بمحافظة الخليل بالضّفة الغربية المحتلة.
وتشتهر كل من الشيخ عجلين ومدينة الخليل بزراعة العنب والتين؛ وتشكلان عصبًا أساسيًا لاقتصاد أهالي تلك المناطق؛ كما شكلتا ميراثًا تاريخيًا وثقافيًا من خلال الأمثال التي يتداولها الناس.
ومن بين الأمثال التي تقال: "عنب الخليل للعنابية، وعنب غزة للأكل"، في إشارة إلى أن العنب المفضل لصناعية مربى "العنابية" هو عنب الخليل، فيما عنب غزة والشيخ عجلين على وجه الخصوص هو المفضل للأكل.

