غزة – خاص الرأي – محمود أبو راضي:
على مدار ثماني سنوات تسلل اليأس إلى قلب الشاب محمد حمدان (19 عاما) من مدينة غزة، وهو يروي بمشاعره الحزينة قصته المظلمة بين جدران غرفته باحثًا عن نورٍ في عينيه يضيء له طريق الحياة من جديد ويضع حدًا لمعاناته الشديدة مع ضعف البصر.
معاناة محمد مع البصر بدأت عندما أصيب بحمى شوكية أثّرت بشدة على شبكية العين نتيجة قصفٍ شديد تعرض له مخيم جباليا شمالي قطاع غزة الذي كانت عائلته تقطن به آنذاك خلال عدوان الاحتلال على غزة عام 2014م.
حرمت هذه الإصابة محمد من طعم الحياة ورؤية الفضاء والتمتع بمشاهدة الأشياء الجميلة من حوله التي لا يسمع إلا صوتها فقط، لكنّ هناك سؤالًا لا يفارق مخيلته ويحلُم بسماع إجابته وهو "متى سأتمكن من رؤية هذه الأشياء وأعيش حياةً طبيعيةً كبقية الناس الذين من حولي؟!".
حلمٌ قريب
بعد معاناةٍ لا وصف لها امتدت لفترة طويلة مع ابنها، علِمت عائلة محمد بخبر إطلاق وزارة الصحة في غزة البرنامج الوطني لزراعة القرنيات قبل نحو عام.
وعلى الفور بدأت عائلة محمد بطرق الأبواب لمعرفة تفاصيل البرنامج علّه يفتح لها أملًا طال انتظاره ينُهي معاناة ابنها مع ضعف البصر الذي أفقده لذة الحياة.
توجهت عائلة محمد إلى مستشفى العيون بمدينة غزة، وبدأت تسمع حديثًا من الطاقم الطبي أزاح أكوامًا من الحزن المتراكم على صدرها منذ سنوات، وكأن ماءً باردًا بدأ يهطل على رأسها لينفض عنها غبار من شدة فرحها بما يقوله الأطباء بالمشفى.
أخذت العائلة تراود نفسها بانبهار وتقول: "معقول يا دكتور الكلام اللي بتحكيه صحيح، يعني صار بإمكان دكاترة غزة يعملوا عمليات زراعة قرنية دون الحاجة للسفر للخارج ودفع تكاليف كبيرة" فردّ عليها الدكتور بكل طمأنينة وثقة: "نعم يا جماعة هذا بفضل الله عزوجل أولا ثم بجهود وزارة الصحة وطواقمها الطبية التي أبدعت بمهارة في إتقان هذه العمليات".
وبعد سماع العائلة لهذا الحديث المنتظر لسنوات طوال، سجّلت ابنها على قائمة الانتظار إلى أن يحين دوره في إجراء عملية زراعة القرنية، وبعد أيامٍ معدودة تواصل مستشفى العيون مع العائلة وأبلغها بتبرع عائلة الشهيد وسيم عزام بإحدى قرنيتيه لصالح ابنها محمد.
وفي هذه اللحظات عمّت السعادة عائلة محمد وكادت أن تطير من الفرح لوصول قطار معاناتها مع ابنها إلى سكته الأخيرة دون رجعة مع قرب موعد إجراء العملية.
ومع دخول محمد للمستشفى إيذانًا ببدء إجراء العملية، كانت قلوب عائلته تخفق بسرعة من شدة هول الموقف الذي كانت تسهر الليالي وتَعُد الساعات لمعايشته.
حالٌ مغاير
وبعد ساعات معدودة، خرج محمد من غرفة العمليات بحالٍ مغاير تمامًا لما دخل به، وكأنه وُلد من جديد في هذه اللحظات التي بدأ فيها برؤية الأشياء رويدًا رويدًا يتحسس أثرها بكلتا عينيه اللتين لا زالتا تحت تأثير العملية.
ويقول محمد باندهاشٍ غير محدود: "لا أستطيع أن أصف سعادتي في هذه اللحظة، لقد طُويت معاناتي الطويلة من بعد الآن، وبدأت حياة جديدة أستطيع فيها أن أرى الأشياء بعينيّ".
ويضيف خلال حديثه لوكالة "الرأي" وعلامات الفرح مرسومة على محيّاه: "أشكر الله تعالى عن نعمة إجراء هذه العملية داخل غزة المحاصرة بأيدِ أطبائها المخلصين المهرة، لا أستطيع أن أعبر عن مدى وحجم هذا الإنجاز الطبي الذي نفتخر به جميعا".
وبعد خروج محمد من المستشفى بعد الاطمئنان على حالته الصحية، ووصوله لمنزله هلّت جموع المهنئين عليه ليباركوا له عودة نعمة البصر له، وأخذوا يوجهون له عبارات مفعمة بالأمل تنبض بالحياة التي فقد بريقها لسنوات.
حياةٌ جديدة
وتدريجيًا مع مرور الوقت، بدأ محمد الاندماج مع المجتمع متسلحًا بعيونه المبصرة هذه المرة بعد أن اختفت آثار العملية تماما، وانطلق يمشي وحيدًا في الشوارع دون أن يُمسك بيديه أحد من أقاربه ليدله على الطريق.
ولم تنس عائلة محمد أن توجه شكرها الجزيل لعائلة الشهيد وسيم عزام التي تبرع بإحدى قرنيتيه لابنها، قائلةً: "إنه لشرف كبير أن يستعيد ابني البصر بقرنية شهيد".
ويقول والده زياد لــ "الرأي" والابتسامة مرسومة على وجهه: "لا يمكنني التعبير عن مدى فرحتي بعودة البصر لإبني محمد مرة أخرى بعد سنوات من المعاناة، أشكر الله عزوجل على هذه النعمة".
ويضيف: "أن إجراء مثل هذه العمليات في قطاع غزة أعطت بارقة أمل كبيرة لكثيرٍ من المرضى وذويهم في القدرة على الرؤية من جديد في ظل المعاناة والصعوبات التي يواجهونها في الحصول على تحويلةٍ من أجل العلاج في الخارج".
وأطلق والد محمد عبارات شكر لا حصر لها ثناءً على الإنجاز الذي حققته وزارة الصحة بإجراء عمليات زراعة القرنية في قطاع غزة على أيدٍ أطبائها في ظل الحصار والتضييق وقلة الإمكانات، حيث وضعت حدا لمسلسل طويل من المعاناة بحثًا عن تحويلةٍ طبية لعلاج ابنه في مستشفيات الخارج.
إنجازٌ وطني
وتعليقًا على هذا الإنجاز الوطني، يقول مدير مستشفى العيون د. ماجد حمادة: "إن عمليات زراعة القرنية في غزة أصبحت واقعا بفضل الله عزوجل أولا ومن ثم جهود وزارة الصحة رغم كل الظروف والتحديات استجابةً للحاجة الملحة لأهالي قطاع غزة المحاصر لسنوات طويلة بسبب تعرضهم لعقبات شديدة في التحويلات الطبية للخارج".
ويوضّح حمادة خلال حديثه لوكالة "الرأي" أن الطواقم المحلية اختتمت بنجاح عمليات زراعة قرنية لـ 132 حالة بعد مرور عام على إطلاق البرنامج الوطني لزراعة القرنيات في أغسطس من العام الماضي للتشجيع على التبرع بالقرنيات تحت شعار "من أحياها" استلهامًا من الآية القرآنية "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
ويؤكد أن هذا البرنامج يسطر صفحة جديدة في سجلات الإنجاز الوطني لوزارة الصحة الذي شهدت بجودته وفود عدد من دول الجوار التي زارت قطاع غزة مؤخرًا.
ويشير إلى أن التدخلات الطبية المحلية في زراعة القرنيات شكّلت بارقة أمل لعشرات المرضى الذين حرموا نعمة البصر ويتكبدون معاناة الحصول على تحويلة للعلاج بالخارج، حيث كان يصل عددهم سنويًا 250 مريضًا، ما يشكّل عبئًا كبيرًا عليهم وعلى ذويهم".
ووفقا لمدير مستشفى العيون، فإن وزارة الصحة ستواصل بذل جهودها لاستمرار برنامج زراعة القرنيات حتى الانتهاء من قوائم الانتظار، داعيًا في الوقت ذاته وسائل الإعلام والمساجد لتعزيز التوعية المجتمعية لدى أبناء شعبنا لتقبل فكرة التبرع بقرنيات ذويهم المتوفين بعد الإقرار بجوازها من قبل كافة الأطراف الشرعية والقانونية لإنهاء معاناة فاقدي البصر.
ورغم الآثار الكارثية للحصار الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ 17 عامًا، لا تزال غزة البقعة الصغيرة جغرافيًا الكبيرة بقوة عزيمتها تقدم نجاحات غير مسبوقة ونماذج إبداعية في شتى التخصصات لا سيّما في المجال الطبي في رسالة تحدٍ للاحتلال بلسان الشاعر الراحل محمود درويش مفادها: "نحن شعبٌ نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا، ونرقص بين شهيدين نرفع مئذنةً للبنفسج بينهما أو نخيلا".

