ورقة موقف قانونية وحقوقية:
تجويع المدنيين وتدمير مصادر الغذاء في قطاع غزة:
الاحتلال الإسرائيلي يستخدم الغذاء كسلاح حرب في تنفيذ جريمة إبادة جماعية
إعداد:
د. إسماعيل إبراهيم الثوابتة
مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي
مايو 2025
المرجعية القانونية لهذه الورقة:
• القانون الدولي الإنساني: يشمل القوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، بما في ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية، وتحديداً البروتوكول الإضافي الأول.
• اتفاقيات جنيف: وتحديداً اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي تلزم القوى المحتلة بحماية المدنيين والممتلكات في الأراضي المحتلة، ومنع تجويعهم أو تدمير مصادر الغذاء.
• نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: الذي يُعرّف جريمة الإبادة الجماعية ويحدد العقوبات المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بما فيها استخدام الغذاء كسلاح حرب.
محتويات الورقة:
- أولاً: مقدمة تمهيدية: خلفية النزاع وتجريم تجويع المدنيين:
- ثانياً: الحق في الغذاء كحق إنساني وأساس قانوني دولي:
- ثالثاً: الوقائع الموثّقة لتجويع المدنيين وتدمير مصادر الغذاء في قطاع غزة:
- رابعاً: النية الإجرامية لدى سلطات الاحتلال: تحليل قانوني:
- خامساً: التكييف القانوني للجرائم: الإبادة الجماعية واستخدام الغذاء كسلاح حرب:
- سادساً: المسؤولية القانونية للدولة المحتلة والأفراد أمام القانون الدولي:
- سابعاً: التوصيات القانونية: الإجراءات المطلوبة من المجتمع الدولي والمؤسسات القضائية:
- ثامناً: الخاتمة: تجويع غزة جريمة ممنهجة تستوجب المحاسبة:
أولاً: مقدمة تمهيدية: خلفية النزاع وتجريم تجويع المدنيين:
منذ عقود، يعيش الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، في واقع استثنائي يُعد الأطول في التاريخ الحديث، تميّز بجملة من السياسات القمعية والممارسات العدوانية، بلغت ذروتها خلال الحرب الجارية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي تُصنّف من حيث شدّتها واتساع نطاقها ونتائجها كحرب إبادة جماعية ممنهجة. من بين أكثر الجرائم بشاعة التي ارتُكبت في هذا السياق، برز استخدام التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، وذلك عبر تدمير متعمّد لمصادر الغذاء، ومنع دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، واستهداف مرافق إنتاج وتخزين وتوزيع الطعام، وفرض حصار خانق أفضى إلى حالة كارثية من انعدام الأمن الغذائي بلغت حدود المجاعة في بعض المناطق.
تجويع السكان المدنيين، وخاصة عندما يتم بشكل مقصود وممنهج، لا يُعد فقط انتهاكاً صارخاً للأخلاق الإنسانية، بل يُصنّف أيضاً ضمن أخطر الجرائم المحظورة في القانون الدولي. فقد حظرت اتفاقيات جنيف، والبروتوكولات الملحقة بها، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كافة الممارسات التي ترقى إلى حرمان المدنيين من الغذاء كوسيلة من وسائل الحرب، أو إخضاعهم لظروف معيشية لا تُحتمل. ويندرج هذا الفعل ضمن الأفعال المحرّمة دولياً سواء في سياق جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو جريمة الإبادة الجماعية، إذا توافرت النية الإجرامية والعناصر الموضوعية لذلك.
وقد تطوّر تجريم تجويع المدنيين في إطار القانون الدولي تدريجياً، إذ نصّ البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، في المادة 54، على حظر تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب، وعلى حظر تدمير المواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية، والمناطق الزراعية، والمحاصيل، والمواشي، ومرافق مياه الشرب، ومخازن المؤن. كما اعتبر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 أن "تجويع المدنيين عمداً، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة الإمدادات الإنسانية" يُعد جريمة حرب.
ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في غزة، من قطعٍ متعمّد للإمدادات الغذائية، وتدمير للحقول والمزارع والمطابخ والمخازن، ومنع دخول قوافل الإغاثة الإنسانية، يقع ضمن هذا الإطار المحظور، ويُشكّل خرقاً جسيماً يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان. وتزداد خطورة الجريمة بالنظر إلى طابعها الجماعي والمستمر، وكونها جزءاً من سياسة متعمدة تستهدف إهلاك جماعة سكانية معينة، الأمر الذي يفتح الباب أمام التكييف القانوني كجريمة إبادة جماعية، لا سيما إذا توافرت النية الخاصة والركن المعنوي للجريمة.
في هذا الإطار، تأتي هذه الورقة القانونية لتبيان الخلفية القانونية والحقوقية لاستخدام الغذاء كسلاح حرب ضد المدنيين في قطاع غزة، وتحليل الأبعاد الجنائية الدولية لتلك الممارسات، وبيان المسؤولية القانونية المترتبة على الدولة القائمة بالاحتلال وأفرادها، مع تقديم توصيات واضحة للمجتمع الدولي من أجل التحرك العاجل لوقف هذه الجريمة ومحاسبة مرتكبيها.
ثانياً: الحق في الغذاء كحق إنساني وأساس قانوني دولي:
يُعد الحق في الغذاء من الحقوق الأساسية التي أقرتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الحق في الحياة والكرامة الإنسانية. وقد نال هذا الحق اعترافاً دولياً صريحاً منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، حيث نصت المادة 25 منه على أن “لكل شخص الحق في مستوى معيشي يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويشمل ذلك الغذاء والكساء والمسكن والرعاية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية”. كما كرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 هذا الحق، وأوضح في المادة 11 أن "للدول الأطراف الاعتراف بحق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، بما في ذلك الغذاء الكافي"، وألزمتها باتخاذ التدابير اللازمة لضمان هذا الحق بما يتوافق مع الموارد المتاحة لها.
يمتد التزام الدولة بتوفير الغذاء الكافي إلى زمن النزاعات المسلحة، حيث يُحظر على أطراف النزاع استخدام الجوع وسيلةً لإخضاع السكان المدنيين أو معاقبتهم. وقد أكّدت اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، أن تجويع السكان المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب محظور تماماً، وأنه لا يجوز تدمير أو الاستيلاء على المواد الغذائية أو المناطق الزراعية أو مصادر المياه إذا كانت تلك الوسائل ضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة. وتشمل الحماية القانونية كذلك المرافق المخصصة لتخزين وتوزيع الغذاء، ووسائل النقل الخاصة بإيصاله، سواء أكانت تابعة لجهات حكومية أو لمنظمات إنسانية.
وقد طوّر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذا الحظر إلى مصاف الجرائم الدولية، إذ نصّ في المادة 8 (2)(ب)(25) على أن "تجويع المدنيين عمداً، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة الإمدادات الإنسانية، يُعد جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية". ويتفق هذا التوصيف مع الممارسات الدولية الراسخة، كما ظهر في السوابق القضائية للمحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا، حيث تم تجريم ممارسات مشابهة كأفعال تدخل ضمن نطاق جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، بناءً على السياق والأثر المقصود.
إنّ الالتزام بالحق في الغذاء لا يقتصر على التوفير المادي للغذاء، بل يشمل أيضاً ضمان الوصول المادي والاقتصادي إلى الغذاء الكافي، المقبول ثقافياً، والمغذي، والآمن، والمستدام. ويُعد أي سلوك يُفضي إلى حرمان جماعة سكانية من هذا الحق، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خرقاً جسيماً للقانون الدولي، خاصة إذا اقترن بنية متعمّدة لإهلاك تلك الجماعة، ما يرقى إلى الإبادة الجماعية.
في ضوء ما سبق، فإن حرمان المدنيين في قطاع غزة من الغذاء، ومنع وصول المساعدات الإنسانية إليهم، وتدمير البنية التحتية الزراعية والإنتاجية، يُعد انتهاكاً صارخاً للحق في الغذاء، ويمثل جريمة مركبة تستدعي الملاحقة الدولية.
ثالثاً: الوقائع الموثّقة لتجويع المدنيين وتدمير مصادر الغذاء في قطاع غزة:
لقد شهد قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 حملة عسكرية إسرائيلية غير مسبوقة من حيث الكثافة والشمول، استُخدمت فيها سياسة "الأرض المحروقة"، وتجلّت فيها نية مبيّتة لتجويع السكان المدنيين عبر تدمير ممنهج لمصادر الغذاء، وفرض حصار خانق، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. وقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، وقائع متعددة تؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي اتخذ من الغذاء وسيلة حرب لفرض الإذلال الجماعي على المدنيين.
تجلّى هذا السلوك الإجرامي بدايةً في فرض حصار شامل على قطاع غزة، تم خلاله قطع الإمدادات الغذائية، ومنع دخول القوافل الإنسانية، وإغلاق كافة المعابر، بما فيها معبر رفح البري ومعبر كرم أبو سالم، وهما المنفذان الرئيسيان لدخول الغذاء والمساعدات إلى القطاع. وقد تسببت هذه السياسة في تقليص عدد الشاحنات الغذائية من 500 شاحنة يومياً قبل الحرب إلى أقل من 50 شاحنة في بعض الأسابيع، رغم وجود أكثر من 2.4 مليون مدني في قطاع غزة بحاجة ماسة للغذاء.
وعلاوة على الحصار، نفذ الاحتلال سلسلة من الضربات الجوية والبرية استهدفت بشكل مباشر المخابز ومخازن الأغذية والأسواق المركزية ومراكز التوزيع التابعة لوكالات الأمم المتحدة، إلى جانب تدمير الأراضي الزراعية وآبار المياه والمزارع ومصانع إنتاج الغذاء. وأفادت منظمات أممية بأن أكثر من 70% من الأراضي الزراعية في غزة باتت غير صالحة للإنتاج بسبب القصف أو التجريف أو تلوث التربة. كما تم قصف عشرات "التكايا" التي كانت تقدم الطعام المجاني للفقراء، ما أوقف قدرتها على تقديم الوجبات في وقت بلغت فيه نسبة انعدام الأمن الغذائي مراحل كارثية.
في الوقت ذاته، عمدت قوات الاحتلال إلى منع المدنيين من الوصول إلى الغذاء المتبقي، عبر منع التنقل بين المناطق أو استهداف الطوابير أمام المخابز ومراكز الإغاثة. وقد تم توثيق عشرات الحوادث التي سقط فيها مدنيون شهداء أثناء انتظارهم الحصول على الغذاء، كما حدث في مجزرة "شارع الرشيد" يوم 29 فبراير 2024، حيث استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي شاحنة مساعدات وأعدم عشرات الجائعين ميدانياً بالرصاص الحي.
كما تم رصد حالات موثقة لاستخدام الاحتلال الغذاء أداة مساومة على الولاء السياسي أو على التعاون الأمني، في ممارسات ترتقي إلى مستوى "العقاب الجماعي" وتخالف كل أعراف القانون الإنساني.
إن هذه الوقائع، الموثّقة بالصوت والصورة والشهادات الحية، لا تترك مجالاً للشك في أن الاحتلال انتهج سياسة تجويع متعمدة، تهدف إلى تركيع السكان المدنيين، وإخضاعهم ضمن سياسة تهجير قسري أو الإبادة البطيئة. ويُمكن لهذه الوقائع أن تشكّل عنصراً حاسماً في إثبات النية الإجرامية في المحافل القضائية الدولية.
رابعاً: النية الإجرامية لدى سلطات الاحتلال: تحليل قانوني:
يشكّل إثبات النية الإجرامية أحد الأركان الأساسية في توصيف الجرائم الدولية، لا سيما تلك التي تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي حالة تجويع المدنيين في قطاع غزة، فإن النية الإجرامية لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن إنكارها في ضوء تواتر الأفعال، وتكرار الأنماط، وصدور تصريحات رسمية تعبّر عن أهداف عقابية وانتقامية صريحة بحق السكان.
إن القانون الدولي يميز بين الضرر الجانبي الذي يقع عرضاً خلال العمليات العسكرية، وبين الضرر المتعمد الناتج عن نية مسبقة لاستهداف المدنيين أو تركيعهم عبر أساليب غير إنسانية، وهو ما يُعد انتهاكاً واضحاً لاتفاقيات جنيف، ولا سيما المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تحظر استهداف أو تدمير المواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية ومرافق إنتاجها وتوزيعها.
لقد عبّرت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية عن نواياها الإجرامية بشكل علني منذ الأيام الأولى للعدوان، عندما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في 9 أكتوبر 2023 فرض "حصار كامل" على غزة، بما يشمل "منع الكهرباء والطعام والوقود"، مضيفاً: "نقاتل حيوانات بشرية وسنتعامل معهم وفقاً لذلك". هذا التصريح لا يعبّر فقط عن نزع للصفة الإنسانية عن المدنيين، بل يشكّل إقراراً صريحاً بتجريدهم من الحقوق الأساسية، وهو ما يعزز عنصر القصد الجنائي المطلوب لإثبات الجريمة.
كما أظهرت السياسات الممنهجة، مثل القصف المتكرر لمراكز توزيع المساعدات، وتقييد دخول شاحنات الغذاء، واستهداف المزارع والمخابز، وفرض قيود مشددة على التنقل، أن هذه الأفعال لم تكن نتيجة ظروف القتال العشوائي، بل تمّت ضمن خطة عسكرية واقتصادية وسياسية لفرض الجوع على سكان غزة. هذا النمط السلوكي المنتظم يمثل ما يُعرف في القانون الدولي بـ"خطة أو سياسة عامة" تشكّل دليلاً قوياً على توافر الركن المعنوي للجريمة.
ولم تقتصر النية الإجرامية على أفعال الجيش فقط، بل امتدت إلى قرارات حكومية صادرة عن أعلى المستويات السياسية في إسرائيل، والتي أظهرت تصميماً على استخدام الغذاء كسلاح للضغط الجماعي، وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية عبر فرض المجاعة والتجويع كأدوات قتل بطيء أو تهجير قسري.
بناءً عليه، فإن تحليل الوقائع في ضوء نصوص القانون الدولي، وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، والسياسات الميدانية المطبقة، يقود إلى استنتاج قانوني قاطع بتوافر النية الإجرامية لدى سلطات الاحتلال، ويضعها تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي، ووفقاً لأحكام الإبادة الجماعية واستخدام وسائل غير مشروعة في النزاعات المسلحة.
خامساً: التكييف القانوني للجرائم: الإبادة الجماعية واستخدام الغذاء كسلاح حرب:
يُعدّ التكييف القانوني لسلوك سلطات الاحتلال الإسرائيلي تجاه سكان قطاع غزة من أهم القضايا التي يجب تناولها ضمن منظومة العدالة الدولية، نظراً لخطورة الانتهاكات وارتباطها المباشر بأشد الجرائم جسامة، وفي مقدمتها جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب. ويمثل استخدام الغذاء كسلاح، وفرض المجاعة على السكان المدنيين، مؤشراً قانونياً خطيراً على نية الإبادة أو الإضرار الجسيم والمتعمد بالسكان المدنيين كجماعة محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
تنص المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948) على أن الإبادة الجماعية تشمل "أفعالاً ترتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، كلياً أو جزئياً"، وتشمل هذه الأفعال: "إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها الفعلي كلياً أو جزئياً". إن تجويع أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة، عبر الحصار والتجويع ومنع دخول الغذاء والدواء، وتدمير المنشآت الزراعية ومراكز التوزيع، يدخل ضمن هذا التعريف بوضوح.
كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 يجرّم استخدام التجويع كوسيلة حرب. فقد نصت المادة (8)(2)(ب)(xxv) على أن "إخضاع السكان المدنيين عمداً للتجويع، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة الإمدادات من مواد الإغاثة، عملاً بأحكام اتفاقيات جنيف" هو جريمة حرب. وتشير الأدلة الميدانية إلى أن سلطات الاحتلال قد مارست هذا الفعل بشكل منهجي، من خلال استهداف قوافل المساعدات، وتدمير التكايا، وإغلاق المعابر.
يُضاف إلى ذلك أن القانون الدولي العرفي، وقرارات محكمة العدل الدولية، والآليات التفسيرية للأمم المتحدة، تعزز مبدأ عدم مشروعية استخدام الغذاء كوسيلة ضغط سياسي أو عسكري. وقد صنّف "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" في تقاريره الحديثة، ومنها تقرير المقرّر الخاص المعني بالحق في الغذاء، مثل هذه الممارسات ضمن انتهاكات خطيرة ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية، في حال تم ارتكابها ضمن سياسة منهجية وموجهة.
إن النمط المتكرر لانتهاك الحق في الغذاء في غزة، وتصريحات مسؤولي الاحتلال التي تعبر عن نية استخدام الجوع كأداة للإخضاع، وترافق ذلك مع سياسات الحصار والاستهداف المباشر للبنية الغذائية، تُشكّل بمجموعها قرائن قوية على توافر الركنين المادي والمعنوي لجريمة الإبادة الجماعية، فضلاً عن جريمة استخدام وسائل غير مشروعة في النزاعات المسلحة.
بناءً عليه، فإن التكييف القانوني الصحيح لسلوك الاحتلال الإسرائيلي في غزة لا يقتصر على توصيفه كخرق للقانون الدولي الإنساني، بل يرقى إلى جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان، يتوجّب التحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية المختصة.
سادساً: المسؤولية القانونية للدولة المحتلة والأفراد أمام القانون الدولي:
يُلزم القانون الدولي، بمختلف مصادره، الدول والأفراد بالامتثال التام لأحكامه، لا سيما في زمن النزاعات المسلحة، ويُحمّل الدولة المحتلة المسؤولية الكاملة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك استخدام الغذاء كسلاح ضد السكان المدنيين. وفي حالة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، فإن المسؤولية القانونية تُطال الدولة بمؤسساتها السياسية والعسكرية، وكذلك القادة الأفراد الذين أصدروا أو نفذوا الأوامر التي أدت إلى تجويع السكان وتدمير مصادر رزقهم.
أولاً، تتحمل "إسرائيل"، بصفتها قوة احتلال، واجبات قانونية محددة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والتي تؤكد في مادتها (55) على وجوب ضمان توفير المواد الغذائية والطبية للسكان المدنيين، وتمنع في مادتها (54) تدمير المواد والموارد الضرورية لبقائهم. إن الإخلال بهذه الالتزامات، سواء عبر منع دخول المساعدات أو قصف منشآت الغذاء، يُشكل خرقاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، ويترتب عليه مسؤولية دولة كاملة.
ثانياً، بموجب مشروع لجنة القانون الدولي حول "مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً" (2001)، فإن الدولة التي ترتكب فعلاً يشكل خرقاً لالتزام دولي تتحمل المسؤولية القانونية وتُلزم بجبر الضرر، بما في ذلك الاعتراف بالفعل غير المشروع، والتعويض، وضمان عدم التكرار. وقد وثقت هيئات دولية ومنظمات حقوقية عديدة انتهاك الاحتلال لهذه الالتزامات عبر سياسة منهجية لتجويع المدنيين وتدمير البنية الغذائية، ما يستوجب المطالبة بتفعيل آليات المحاسبة الدولية.
ثالثاً، لا تقتصر المسؤولية القانونية على الدولة، بل تمتد إلى الأفراد من القادة العسكريين والسياسيين الذين شاركوا في التخطيط أو التنفيذ أو التحريض على هذه الأفعال. تنص المادة (25) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على المسؤولية الفردية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، بما فيها جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب. كما تنص المادة (28) على مسؤولية القادة والرؤساء عن الأفعال التي ارتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا على علم بها ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
وقد أكدت السوابق القضائية الدولية، مثل محكمة نورمبرغ، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، أن استخدام الوسائل التي تؤدي إلى الإبادة، مثل منع الغذاء أو تدمير مصادر العيش، تُشكل عناصر مادية ومعنوية كافية لإثبات المسؤولية الجنائية الفردية والجماعية.
وعليه، فإن الانتهاكات التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة تُرتب مسؤولية مزدوجة: مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دولياً، ومسؤولية القادة والأفراد عن ارتكابهم جرائم خطيرة، تتطلب تحريك الملاحقة الجنائية الدولية وتفعيل مبادئ العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
سابعاً: التوصيات القانونية: الإجراءات المطلوبة من المجتمع الدولي والمؤسسات القضائية:
في ضوء جسامة الانتهاكات التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وبخاصة فيما يتعلق بسياسة التجويع وتدمير مصادر الغذاء، فإن الواجب القانوني والإنساني يُملي على المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة ومؤسساتها القضائية والرقابية، اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الكاملة للسكان المدنيين وفقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
أولاً، يجب على مجلس الأمن الدولي، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة، أن يتخذ تدابير عاجلة بموجب الفصل السابع، بما في ذلك فرض عقوبات على دولة الاحتلال، وإحالة الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة قطاع غزة، إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية.
ثانياً، ينبغي على المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية توسيع نطاق التحقيق الجاري بشأن الحالة في فلسطين ليشمل تحديداً استخدام الغذاء كسلاح، واستهداف مراكز التوزيع والمخازن والتكايا، وقطع سلاسل الإمداد الغذائية، باعتبارها أفعال ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية بموجب المادة (6) من نظام روما الأساسي، وجرائم حرب بموجب المادتين (8)(2)(b)(xxv) و(8)(2)(b)(ii).
ثالثاً، تُطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأجهزة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، مثل برنامج الغذاء العالمي (WFP) ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بتوثيق الانتهاكات بشكل رسمي، وإدراجها ضمن تقاريرهم الدورية، والضغط من أجل فتح ممرات إنسانية آمنة لإدخال المساعدات الغذائية دون قيود سياسية أو عسكرية.
رابعاً، يجب على الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربع تفعيل المادة (1) المشتركة التي تُلزمها بضمان احترام الاتفاقيات في جميع الظروف، واتخاذ خطوات ملموسة، بما في ذلك رفع قضايا أمام محاكمها الوطنية وفقاً لمبدأ الولاية القضائية العالمية ضد المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في جرائم تجويع المدنيين.
خامساً، على المجتمع المدني الدولي، والمنظمات الحقوقية، واتحادات المحامين أن توحد جهودها في إعداد ملفات قانونية موثقة تُقدّم للهيئات القضائية الدولية، وتفعّل حملات ضغط منسقة لكسر الصمت الدولي وفضح سياسات الاحتلال الممنهجة تجاه الفلسطينيين.
وأخيراً، تُوصى الدول الداعمة لحقوق الإنسان بعدم الاكتفاء بالتنديد اللفظي، بل بالانتقال إلى خطوات عملية تشمل تجميد العلاقات السياسية والعسكرية مع دولة الاحتلال، وإعادة تقييم صفقات السلاح، والمطالبة العلنية بوقف استخدام الغذاء كسلاح حرب، حمايةً لما تبقى من قواعد النظام القانوني الدولي.
إن تنفيذ هذه التوصيات يُعد ضرورة قانونية وأخلاقية، ومسؤولية جماعية للمجتمع الدولي لمنع تكرار المأساة، ووضع حد للإفلات من العقاب، وإحقاق العدالة للضحايا.
ثامناً: الخاتمة: تجويع غزة جريمة ممنهجة تستوجب المحاسبة:
لقد بيّنت هذه الورقة بالأدلة القانونية والوقائع الموثقة أن الاحتلال الإسرائيلي قد انتهج، على نحو ممنهج ومتعمد، سياسة تجويع المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، من خلال تدمير منهجي لمصادر الغذاء، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، واستهداف منشآت الإغاثة والمخازن والمخابز والتكايا، وصولاً إلى استخدام الغذاء كسلاح حرب في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي الإنساني، وبخاصة المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والمادة (8)(2)(b)(xxv) من نظام روما الأساسي.
إن الأفعال المرتكبة لا تقتصر على كونها خروقات جسيمة لاتفاقيات جنيف فحسب، بل ترقى في مجملها، من حيث السياق والنتائج والنية المتحققة، إلى جريمة إبادة جماعية، وفقاً للمادة (6)(c) من نظام روما الأساسي، حيث أن الحرمان المتعمد من المقومات الأساسية للبقاء على قيد الحياة، وفي مقدمتها الغذاء، قد أدى إلى وفاة آلاف المدنيين، وعرّض مئات الآلاف لخطر المجاعة الحقيقية، وهو ما يتطلب تحركاً عاجلاً وغير قابل للتأجيل من الجهات الدولية المختصة.
لا يجوز أن يُنظر إلى تجويع غزة على أنه سياسة عسكرية عارضة أو نتيجة جانبية للحرب، بل يجب توصيفه بصفته نهجاً ممنهجاً ذا طابع عقابي جماعي، يستهدف شريحة سكانية محمية بموجب القانون الدولي، ويهدف إلى إبادتها أو إرغامها على النزوح القسري في إطار مشروع استعماري استيطاني واضح الأركان. إن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، وتقع ضمن الجرائم الأشد خطورة التي تهدد السلم والأمن الدوليين.
تتحمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الانتهاكات، كما يتحمل القادة السياسيون والعسكريون المسؤولية الجنائية الفردية، بما في ذلك المسؤولية عن الأمر أو التواطؤ أو الفشل في منع وقوع الجريمة. وبالمقابل، فإن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جماعية في حال تقاعسه عن التحرك، بما في ذلك مسؤولية قانونية بموجب المادة الأولى المشتركة في اتفاقيات جنيف، تفرض عليه "ضمان احترام" الاتفاقيات "في جميع الأحوال".
لقد آن الأوان لوضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة لضحايا الجرائم المروّعة التي ارتكبت بحق سكان قطاع غزة. ويجب ألا تبقى الدعوات الأخلاقية مجرد خطابات فارغة، بل يجب أن تتحول إلى إجراءات قانونية فعلية، ومحاسبة قضائية صارمة، ومواقف سياسية جادة، تُعيد الاعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني، وتصون الكرامة الإنسانية في وجه آلة الحصار والتجويع والتدمير.
إن تجويع غزة هو جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، لا تغتفر أخلاقياً، ولا تُسقط قانونياً، وتستوجب محاسبة عادلة، ووقفة دولية حازمة تنقذ ما تبقى من الضمير الإنساني.
انتهت
المكتب الإعلامي الحكومي
مايو 2025
-
Legal and Human Rights Position Paper
Starvation of Civilians and the Destruction of Food Sources in the Gaza Strip: The Israeli Occupation Uses Food as a Weapon of War to Commit the Crime of Genocide
Prepared by:
Dr. Ismail Ibrahim Al-Thawabta
Director General of the Government Media Office
Gaza Strip – Palestine
May 2025
Legal Framework of This Paper:
- International Humanitarian Law (IHL):
Encompasses international legal norms related to the protection of civilians during armed conflicts, including the 1949 Geneva Conventions and their Additional Protocols—particularly Additional Protocol I.
- The Geneva Conventions:
Specifically, the four Geneva Conventions of 1949, which obligate occupying powers to protect civilians and property in occupied territories, and to prohibit starvation or the destruction of food sources as a method of warfare.
- The Rome Statute of the International Criminal Court:
Defines the crime of genocide and outlines the penalties for crimes against humanity, including the use of food as a weapon of war.
Contents of the Paper:
• I. Introductory Overview: Background of the Conflict and the Criminalization of Starving Civilians
• II. The Right to Food as a Human Right and a Foundation in International Law
• III. Documented Facts on the Starvation of Civilians and the Destruction of Food Sources in the Gaza Strip
• IV. The Criminal Intent of the Occupying Authorities: A Legal Analysis
• V. Legal Classification of the Crimes: Genocide and the Use of Food as a Weapon of War
• VI. Legal Responsibility of the Occupying State and Individuals under International Law
• VII. Legal Recommendations: Required Actions by the International Community and Judicial Bodies
• VIII. Conclusion: The Starvation of Gaza as a Systematic Crime Requiring Accountability
I. Introductory Overview: Background of the Conflict and the Criminalization of Starving Civilians
For decades, the Palestinian people have lived under Israeli occupation—the longest-standing military occupation in modern history—marked by a range of repressive policies and aggressive practices. These have culminated in the ongoing war on the Gaza Strip, which began on October 7, 2023, and which—by its intensity, scale, and consequences—qualifies as a systematic act of genocide. Among the most heinous crimes committed in this context is the use of starvation as a method of warfare. This has involved the deliberate destruction of food sources, the prevention of the entry of food supplies and humanitarian aid, the targeting of facilities used for the production, storage, and distribution of food, and the imposition of a suffocating siege that has led to a catastrophic state of food insecurity, reaching famine levels in some areas.
The starvation of civilian populations—especially when carried out deliberately and systematically—is not only a flagrant violation of humanitarian ethics but also one of the most serious crimes prohibited under international law. The Geneva Conventions, their Additional Protocols, and the Rome Statute of the International Criminal Court all prohibit acts that deprive civilians of food as a means of warfare or subject them to unbearable living conditions. Such acts are classified under international law as war crimes, crimes against humanity, or genocide, provided the requisite criminal intent and material elements are present.
The criminalization of starvation as a weapon of war has evolved within international law. Article 54 of Additional Protocol I to the 1977 Geneva Conventions prohibits starvation of civilians as a method of warfare and prohibits the destruction of objects indispensable to the survival of the civilian population, such as foodstuffs, agricultural areas, crops, livestock, drinking water installations, and food storage facilities. Furthermore, the 1998 Rome Statute of the International Criminal Court defines “intentionally using starvation of civilians as a method of warfare, by depriving them of objects indispensable to their survival, including willfully impeding relief supplies” as a war crime.
What the Israeli occupation is committing in Gaza—through the deliberate cutting off of food supplies, the destruction of fields, farms, kitchens, and warehouses, and the prevention of humanitarian aid convoys—falls squarely within these prohibited acts and constitutes a grave breach amounting to a full-fledged war crime. The gravity of the crime is further compounded by its collective and ongoing nature and by the fact that it forms part of a deliberate policy aimed at destroying a specific population group. This opens the door to its legal classification as an act of genocide, especially where the specific intent and mental element of the crime are present.
Within this framework, this legal position paper aims to clarify the legal and human rights background concerning the use of food as a weapon of war against civilians in the Gaza Strip. It offers an analysis of the international criminal dimensions of these practices and outlines the legal responsibilities of the occupying power and its individuals, while providing concrete recommendations for the international community to take urgent action to halt this crime and hold its perpetrators accountable.
II. The Right to Food as a Human Right and an International Legal Foundation
The right to food is one of the fundamental rights enshrined in the international human rights framework, recognized as an integral part of the right to life and human dignity. This right received explicit international recognition in the Universal Declaration of Human Rights of 1948, which states in Article 25 that “Everyone has the right to a standard of living adequate for the health and well-being of himself and of his family, including food, clothing, housing, medical care and necessary social services.” The International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights of 1966 further enshrined this right in Article 11, affirming that “States Parties recognize the right of everyone to an adequate standard of living for himself and his family, including adequate food,” and obligating them to take appropriate steps to ensure the realization of this right, in accordance with their available resources.
This obligation to ensure access to adequate food extends to times of armed conflict, during which parties to the conflict are strictly prohibited from using starvation as a method to subdue or punish the civilian population. The Geneva Conventions—especially the Fourth Geneva Convention of 1949 and Additional Protocol I of 1977—emphatically prohibit the starvation of civilians as a method of warfare and forbid the destruction or seizure of foodstuffs, agricultural areas, or water sources necessary for the survival of the civilian population. Legal protection also extends to food storage and distribution facilities, as well as to transportation means used to deliver food, whether operated by governmental bodies or humanitarian organizations.
The Rome Statute of the International Criminal Court elevated this prohibition to the level of international crimes. Article 8(2)(b)(xxv) of the Statute classifies “intentionally using starvation of civilians as a method of warfare by depriving them of objects indispensable to their survival, including willfully impeding relief supplies” as a war crime in international armed conflicts. This legal qualification aligns with established international practice, as evidenced by the jurisprudence of the international criminal tribunals for the former Yugoslavia and Rwanda, where similar practices were criminalized as acts constituting war crimes or crimes against humanity, depending on the context and intended effects.
The obligation to uphold the right to food goes beyond the mere provision of food; it also entails ensuring physical and economic access to adequate, culturally acceptable, nutritious, safe, and sustainable food. Any conduct that leads to the deprivation of a population group of this right—whether directly or indirectly—constitutes a grave breach of international law, particularly when accompanied by a deliberate intent to destroy that group, potentially amounting to genocide.
In light of the foregoing, the deprivation of civilians in the Gaza Strip of food, the obstruction of humanitarian aid delivery, and the destruction of agricultural and productive infrastructure constitute a flagrant violation of the right to food and represent a compound crime warranting international prosecution.
III. Documented Incidents of Starving Civilians and Destroying Food Sources in the Gaza Strip
Since October 7, 2023, the Gaza Strip has witnessed an unprecedented Israeli military campaign in terms of intensity and scope, employing a "scorched earth" policy. This campaign revealed a premeditated intent to starve the civilian population through the systematic destruction of food sources, the imposition of a suffocating siege, and the prevention of humanitarian aid, all of which constitute a blatant violation of international humanitarian law. Reports from the United Nations and human rights organizations such as Human Rights Watch and Amnesty International have documented multiple incidents confirming that the Israeli occupation has used food as a weapon of war to inflict collective humiliation on civilians.
This criminal conduct was first manifested in the imposition of a total blockade on the Gaza Strip, during which food supplies were cut off, humanitarian convoys were prevented from entering, and all crossings—including the Rafah border crossing and the Kerem Shalom crossing, which are the main entry points for food and aid—were closed. This policy resulted in a drastic reduction in the number of food trucks entering Gaza, from 500 trucks daily before the war to fewer than 50 trucks in some weeks, despite the fact that over 2.4 million civilians were in dire need of food.
In addition to the blockade, the occupation launched a series of aerial and ground strikes targeting bakeries, food storage facilities, central markets, and distribution centers belonging to UN agencies. Agricultural land, water wells, farms, and food production factories were also destroyed. UN organizations reported that more than 70% of agricultural land in Gaza became unfit for production due to bombing, leveling, or soil contamination. Dozens of "takiya" (charitable kitchens) that provided free food to the poor were bombed, halting their ability to serve meals at a time when food insecurity had reached catastrophic levels.
Simultaneously, occupation forces prevented civilians from accessing the remaining food by blocking movement between areas or targeting queues at bakeries and relief centers. Dozens of incidents were documented in which civilians were killed while waiting to receive food, as happened during the "Rashid Street Massacre" on February 29, 2024, where a humanitarian aid truck was targeted, and dozens of hungry civilians were executed on the spot with live ammunition.
Furthermore, documented cases showed that the occupation used food as a bargaining chip to demand political loyalty or security cooperation, practices that constitute "collective punishment" and violate all norms of humanitarian law.
These incidents, documented through audio, video, and firsthand testimonies, leave no room for doubt that the occupation has adopted a deliberate starvation policy aimed at subjugating the civilian population. This policy aligns with a strategy of forced displacement or slow genocide. These documented facts can be crucial in proving criminal intent in international judicial forums.
IV. Criminal Intent of the Occupation Authorities: A Legal Analysis
Proving criminal intent constitutes one of the essential elements in classifying international crimes, especially those falling within the jurisdiction of the International Criminal Court (ICC), such as genocide, war crimes, and crimes against humanity. In the case of starving civilians in the Gaza Strip, the criminal intent of the Israeli occupation authorities is undeniable in light of the frequency of actions, repeated patterns, and official statements that express explicit punitive and vengeful objectives toward the population.
International law distinguishes between incidental harm that occurs accidentally during military operations and deliberate harm resulting from premeditated intent to target civilians or subjugate them through inhumane methods. This constitutes a clear violation of the Geneva Conventions, particularly Article 54 of Additional Protocol I to the Geneva Conventions of 1977, which prohibits targeting or destroying the materials essential for the survival of civilian populations, such as foodstuffs and the facilities used for their production and distribution.

