أخبار » تقارير

حين تصبح "أمنية العائلة... قبراً": غزة تُشيّع وطناً صغيراً بعد عامين تحت الركام

04 آب / أغسطس 2026 01:54

جنازة ابو شريعة
جنازة ابو شريعة

غزة-  خاص وكالة الرأي

في قطاع غزة، لم يعد الموت حدثاً يخصّ عائلة بعينها، ولم تعد الجنازات تسع الأكفان الفرادية؛ هنا تُدفن حاراتٌ بأكملها، وتُمحى عائلات من "السجل المدني" في لحظة خاطفة، لتتحول حتى الأمنيات المتبقية إلى مجرد "حفرة في الأرض تضم رفات الأحبة".

صباح اليوم الثلاثاء، لم تكن غزة تشيع 112 شهيداً من عائلتي "أبو شريعة" و"الحساينة" فحسب، بل كانت تُشيّع وطناً كاملاً أصابه الذهول.

المجزرة: 22 نوفمبر 2023.. حين تبخّرت الملامح

تعود تفاصيل الكارثة إلى 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023؛ يوم صبّت فيه طائرات الاحتلال الإسرائيلية حزاماً نارياً كثيفاً فوق مربع سكني كامل يفيض بالحياة في حي الصبرة جنوب مدينة غزة. في ثوانٍ معدودة، غارت المنازل على ساكنيها، واستحالت أزقة الحي وبيوته المفتوحة على بعضها إلى جبل من الخرسانة المسلحة والحديد المنصهر.

أسفر القصف عن ارتقاء وفقدان 308 شهداء من العائلتين، من بينهم 44 طفلاً دون سن السابعة عشرة، و37 امرأة، وأكثر من 10 أشخاص من ذوي الإعاقة. إلا أن القصف لم يكن نهاية المأساة، بل كان أول فصولها؛ إذ تحول الموقع إلى منطقة عسكرية مغلقة لم تستطع طواقم الدفاع المدني أو حتى الجيران الوصول إليها، ليظل المربع السكني "مقبرة جماعية مغلقة" تبتلع أجساد قاطنيها لأكثر من عامين.

17 يوماً من الحفر بالأظافر.. والجثامين تبخّرت

بعد انقضاء أشهر من الحصار والمنع، وبدء عمليات الانتشال في 14 يوليو وحتى 1 أغسطس الجاري، خاضت طواقم الدفاع المدني مواجهة ملحمية مع الركام. بآلية ثقيلة واحدة تم استئجارها، وعلى مدار 17 يوماً من البحث، لم تتمكن الطواقم سوى من انتشال 112 جثماناً ورفاتاً فقط—أي ما يعادل ثلث الضحايا.

ويروي مدير إدارة الدعم الإنساني بالدفاع المدني مشاهد تدمي القلوب:

"عثرنا على رفات أطفال ونساء ومسنين تم التعرف على بعضهم فقط من بقايا ملابسهم أو مقتنياتهم الشخصية. وكان أقسى المشاهد العثور على هيكل عظمي لطفلة صغيرة لا تزال بين ذراعي والدتها التي كانت تحتضنها لحظة الانفجار".

وأكدت الطواقم الإنسانية أن نحو 40 جثماناً قد تبخرت تماماً ولم يتبقَ لها أي أثر؛ جراء الحرارة الهائلة والانفجارات المروعة التي أحدثتها الصواريخ في المكان.

رحلة التشييع: حين غدت المقبرة ملاذاً للراحة

بين تكبيرات المشيعين ودموع الثكالى، امتلأت شوارع حي الصبرة بأكفان مصطفة امتدت على مدى البصر، زُفت بالورود وحُمِلت على أكتاف أقارب لم يتبقَ منهم سوى القليل.

لم تكن العائلات تستقبل خبر فقدٍ جديد، بل كانت تُغلق حسرة انتظروا إغلاقها لأكثر من عامين؛ انتهاء حالة "الغياب المفتوح" والعيش على أمل معرفة المصير.

يقول أحد أقارب العائلتين وهو يقف شامخاً ومكسوراً أمام النعوش:

"لم يكن الألم فقط في فقدانهم، بل في قهرنا ونحن نعرف أنهم تحت الأنقاض ولا نستطيع الوصول إليهم. طوال هذه الفترة لم نكن نطلب شيئاً من العالم إلا أن نجدهم، أن يكون لهم قبر نذهب إليه ونقرأ الفاتحة على أرواحهم.. اليوم أخذوا حقهم في الدفن".

وجعٌ لا يطويه الزمان

انتَهت مراسم الدفن الجماعية، لكن الجرح لم يُغلق؛ فلا يزال 157 شخصاً في عداد المفقودين تحت ذلك الركام الصامت في حي الصبرة، فيما تقف الآلات المتهالكة عاجزة عن نبش باقي الكارثة.

تودّع غزة شهداءها بدمع الفخر والكبرياء، تاركةً آثار المجزرة شاهدةً على واحدة من أبشع صفحات التاريخ الإنساني الحديث، وعلى شعبٍ غدت أقصى أمنيات أبنائه... أن يجدوا متسعاً لقبرٍ يضم رفات من يحبون.

جنازة ابو شريعة 1VV3y mawPb
متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟