بين أنقاض القطاع الصحي الذي أثخنته سنوات الحرب والحصار، تكسر غزة طوق العتمة والسكوت الإجباري، لتُعيد لـ 50 طفلاً نغمة الحياة وأصوات العالم من حولهم.
فبعد انتظارٍ قاسٍ تجاوز الثلاث سنوات من التوقف القسري، نجح مجمع ناصر الطبي بمحافظة خان يونس جنوبي القطاع، بالتعاون مع فرق طبية دولية ومحلية، في إنجاز مرحلة فارقة من برنامج زراعة القوقعة السمعية، في خطوة تمثل بارقة أمل إنسانية وطبية كبرى في وجه التحديات الكارثية بعد توقف لأكثر من ثلاث سنوات ..
تحديات استثنائية: حين تخوض الطواقم الطبية معركة ضد النقص والدمار
لم تكن رحلة إعادة إحياء برنامج زراعة القوقعة مفروشة بالورد، بل وُلدت من رحم المعاناة والركام. فمع اندلاع حرب الإبادة وما ألحقته من دمار واسع بالبنية التحتية الصحية، واجهت الطواقم الطبية عقبات جسيمة كادت أن تجهض الحلم قبل أن يبدأ.
يوضح الدكتور هيثم العجلة، استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة ورئيس لجنة جراحة القوقعة في وزارة الصحة، أن الفريق الطبي اصطدم بنقص حاد في الأدوات الجراحية اللازمة، وغياب تام للميكروسكوب الجراحي المخصص لهذا النوع الدقيق من العمليات، فضلاً عن انعدام أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) في القطاع.
ويكشف "العجلة" عن حجم الإبداع في مواجهة النقص، حيث اضطرت الطواقم الطبية إلى "هندسة" حلول ميدانية عبر استعارة الأدوات والمعدات من مستشفيات أخرى، من بينها ميكروسكوب جراحي جرى جلبه من قسم جراحة الأعصاب في مجمع ناصر الطبي، إلى جانب تجميع ما تبقى من آلات مدمرة أو متناثرة من مستشفيات وزارة الصحة لتشكيل طقم جراحي متكامل أتاح إنجاز العمليات الخمسين بنجاح.
شراكات دولية ومحلية تعيد الأمل
هذا الإنجاز الطبي لم يكن ليتحقق لولا تضافر الجهود الدولية والمحلية؛ إذ يُنفذ المشروع بتمويل كريم من الهيئة الإسلامية للتنمية والتمكين في أمريكا (IDEA)، وإشراف جمعية "من حقي أسمع" الأمريكية، وبالتنسيق مع الرابطة الطبية الفلسطينية الأمريكية (PAMA) التي لعبت دوراً رئيسياً في إدخال الوفود الطبية وتنسيق الجوانب اللوجستية.
كما تولت شركة أستيميد (AsteMed)، الوكيل الرسمي لشركات التقنيات الطبية المتقدمة، الرعاية الرئيسية وتوفير الأجهزة الدقيقة، بالتكامل مع جهود وزارة الصحة الفلسطينية في مجمع ناصر الطبي ومؤسسات محلية كجمعية أطفالنا للصم ومستشفى حمد للتأهيل.
تعاون عابر للقارات: تبادل خبرات في غرف العمليات
شهد البرنامج مشاركة واسعة لخبراء دوليين، أبرزهم الجراح الروسي البارز الدكتور فلاديسلاف كوزوفكوف (عضو وفد الرابطة الطبية الفلسطينية الأمريكية)، الذي عمل جنباً إلى جنب مع أطباء الفريق المحلي وفي مقدمتهم د. هيثم العجلة ود. خليل الكحلوت، حيث جسد هذا التعاون نموذجاً حياً لتبادل الخبرات والتعامل مع الحالات المعقدة للغاية.
شهادات حية: من "عتمة الصمت" إلى "سحر الأصوات"
وراء الأرقام والجداول الطبية، تختبئ قصص إنسانية مؤلمة وناطقة بالأمل؛ ومن أبرزها قصة شابة تبلغ من العمر 18 عاماً، روت فصولاً من رحلتها الطويلة والشاقة مع السمع والتحديات التشريحية.
بدأت حكاية الفتاة مع زراعة القوقعة في أذنها اليسرى وهي في عامها الثاني، لتعيش سنوات من التطور اللغوي الطبيعي، قبل أن تداهمها التهابات حادة حول الجهاز في سن الثانية عشرة استدعت إزالته نهائياً. وعند بلوغها الخامسة عشرة، خضعت لتجربة زراعة في الأذن اليمنى، إلا أن تكون تكلسات وتغيرات تشريحية عميقة حالت دون نجاحها، لتعود بعدها بثلاث سنوات إلى مجمع ناصر الطبي كفرصة أخيرة.
عن هذه الحالة المعقدة، يوضح د. هيثم العجلة أن الفريق الطبي –بالتنسيق مع الوفد الروسي– أجرى تقييمًا دقيقًا أثبت استحالة الزراعة في اليمنى بسبب التكلسات، ليتم تحويل التحدي إلى الأذن اليسرى التي عانت بدورها من وجود "تسوس" عميق. واستغرقت العملية الجراحية الدقيقة أكثر من ست ساعات؛ تكللت باستئصال التسوس وتنظيف الأذن وإتمام الزراعة بنجاح.
ولحظة الحقيقة الفارقة جاءت فور تفعيل جهاز القوقعة وإجراء الفحوصات الفيزيولوجية (NRT/ECAP)، حيث سجل العصب السمعي استجابة إيجابية ومبهرة للأصوات لأول مرة منذ سنوات. تقول المريضة متأثرةً بهذه اللحظة: "لقد كانت بداية جديدة في رحلتي مع الحياة.. عدت لأسمع الأصوات، وأمامي الآن مرحلة التأهيل لأتدريجياً على فهم الكلام والاندماج مجدداً".
بين الأمل والطابور المنتظر.. قائمة طويلة من الاحتياجات
على الرغم من إنجاز الـ 50 عملية بنجاح تام على مدار 15 يوماً، إلا أن الأزمة لم تنتهِ فصولاً؛ إذ تؤكد التقارير الطبية الرسمية ومنظمة الصحة العالمية أن أكثر من 150 إلى 180 طفلاً آخرين لا يزالون يرزحون تحت وطأة قوائم الانتظار الطويلة بحاجة ماسة لعمليات مشابهة.
ويحذر الأطباء من أن تداعيات الحرب والانفجارات تسببت بارتفاع ملحوظ في حالات ضعف وفقدان السمع، ما يضاعف الحاجة الماسة لاستمرار هذا البرنامج وتوسيع نطاقه. فضلاً عن ذلك، فإن رحلة العلاج لا تتوقف عند المشرط الجراحي، بل تتطلب برامج تأهيل لغوي ونطقي وبرمجة مستمرة للأجهزة لضمان اندماج الأطفال الفاعل في بيئتهم التعليمية والمجتمعية.
إن نجاح هذا البرنامج يمثل رسالة صمود وبوصلة إنسانية تؤكد أن قطاع غزة، ورغم جراحه النازفة، قادرٌ على صناعة الحياة والتمسك بحق أطفاله في العيش والسمع والتعلم.

