لم يكن فصل الشتاء في قطاع غزة يوماً مجرد فصل مناخي عابر، بل كان طالما محطة لاختبار كفاءة البنية التحتية وجهوزية المؤسسات الخدماتية. أما اليوم، ومع إشراقة خريف عام 2026، فإن الشتاء الآتي يحمل بين طياته نذر كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة في التاريخ الحديث. فعلى امتداد الجغرافيا المدمرة من رفح جنوباً وحتى بيت لاهيا شمالاً، تقف الهيئات المحلية وحدها في مواجهة العاصفة، مسلحةً بإرادة فولاذية، ولكنها مثقلة بعجز لوجستي وتقني قاتل خلفته سنوات حرب الإبادة والتدمير الممنهج من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تعمل البلديات بما تبقّى لديها من حطام، وبالاعتماد على الجهد البشري والمبادرات المحلية بشكل أساسي في ظل محدودية الدعم الدولي والأممي.
جبهة البلديات: شلل تشغيلي ونقص عضوي في عصب الحياة
تؤكد التقارير الواردة من غرف العمليات في بلديات القطاع أن المشهد الخدماتي يعاني من شلل شبه تام في مقوماته الأساسية.
ففي بلدية غزة، كشف تقرير صادر عن الإدارة التنفيذية أن البلدية تواجه نقصاً حاداً وقاتلاً في قطع الغيار، وزيوت المحركات، والإطارات، والبطاريات، ومستلزمات الأنظمة الهيدروليكية؛ الأمر الذي أدى إلى خروج أسطول كامل من الآليات والمركبات الثقيلة عن الخدمة.
وعلى الرغم من محاولات الطواقم الميدانية الحثيثة لرتق الفجوة، فإن غياب قطع الغيار الأساسية يحول دون إصلاح العشرات من الشاحنات وجرافات فتح الطرق وآليات شفط المياه القابلة للإصلاح، مما يترك الميدان عائماً على صفيح ساخن من الاحتياجات المتزايدة، خصوصاً مع تحذيرات رئيس البلدية الدكتور يحيى السراج من خطورة انهيار مزيد من المباني المتصدعة وضرورة إدخال المنازل المتنقلة "الكرفانات" بشكل عاجل قبل فوات الأوان.
هذا العجز اللوجستي أكده ممثل بلديات القطاع وعضو المجلس البلدي مصطفى قزعاط، خلال مؤتمر صحفي عاصف، حيث حذر من أن استمرار شح الوقود ومواد الصيانة والأسمنت يعيق جهود إصلاح شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، مشدداً على أن "الاستعداد للشتاء لا يبدأ بعد سقوط الأمطار، بل الآن، وأن الوقاية أقل كلفة بكثير من مواجهة كارثة غرق المخيمات ومحطات الإيواء".
الميدان ينطق: جهود مضنية بإمكانات شبه معدومة
رغم قسوة المعطيات، لم تستسلم البلديات لليأس، وبدأت خريطة عمل ميدانية استباقية للتخفيف من وطأة المنخفضات الودية والجوية المقبلة، مستندة إلى تدخلات جزئية بدعم من منظمات دولية ومحلية (كـ UNDP، ومصلحة مياه بلديات الساحل، واللجنة الدولية للصليب الأحمر ICRC):
في دير البلح: أعلنت البلدية عن بدء أعمال تعزيل وتنظيف مصافي ومناهل مياه الأمطار في عدة شوارع رئيسية (كشارع الحكر، والعزايزة، والبخاري، وأبو سلطان) عبر 3 فرق فنية ميدانية. بالتوازي مع ذلك، تواصل الطواقم بالتعاون مع الوندب والصليب الأحمر تعزيز السواتر الترابية على جانبي مجرى وادي السلقا لحماية السكان والنازحين من خطر الفيضانات والسيول، فضلاً عن إزالة 100 طن من ركام المباني في حارة الحسنات لمعالجة مكاره صحية تسببت بها مناهل الصرف المغمورة بالأنقاض.
في خان يونس: تشرع البلدية ومصلحة مياه بلديات الساحل في تنفيذ المشروع الطارئ لتنظيف "قاليات" وخطوط ومناهل الأمطار، إلى جانب معالجة 10 نقاط حرجة لطفح الصرف الصحي في مدينة حمد السكنية بالتعاون مع الفرق الفنية المختصة.
في النصيرات والوسطى: عقد رئيس البلدية أ. نبيل الصالحي اجتماعاً طارئاً مع لجنة طوارئ الشتاء لرفع الجاهزية القصوى، فيما تواصل الطواقم الميدانية تعزيل مضخات الصرف الصحي ورفع الكفاءة التشغيلية تحسباً لأي طارئ. وفي المغازي والزوايدة، تتواصل أعمال صيانة شبكات المياه والصرف الصحي وتأهيل محيط المستشفيات الميدانية.
في شمال القطاع (جباليا وبيت لاهيا): في ملحمة صمود حقيقية، باشرت طواقم بلدية جباليا النزلة –لأول مرة منذ سريان التهدئة– وبالتنسيق مع وزارة الحكم المحلي واللجنة المصرية، إزالة 300 طن من الركام من محيط منطقة التوبة لفتح الشوارع المغلقة وتمكين آليات الصيانة من الوصول إلى مناهل الصرف الصحي. وفي بيت لاهيا، تواصل الطواقم تنظيف مصافي مياه الأمطار في حوض أصلان (4) لضمان انسيابية تدفق المياه. فيما رفعت بلدية البريج لجان الطوارئ والمباني الخطرة لحصر المنازل الآيلة للسقوط ودرء مخاطرها عن أرواح المواطنين.
ناقوس الخطر: خيام مهترئة ومباني آيلة للسقوط
إن أخطر ما تكشفه التقارير الميدانية لعام 2026 هو تقاطع الأزمة البلدية مع الأزمة الإنسانية للنازحين. فأكثر من مليون ونصف المليون إنسان يقطنون في خيام بالية تجاوز معدل تلفها 60% من إجمالي 270 ألف خيمة في القطاع، وهي عاجزة كلياً عن صد رياح الشتاء أو مياهه.
إلى جانب ذلك، تشكل البنايات المتصدعة والآيلة للسقوط (أكثر من 255 بناية خطرة في مدينة غزة وحدها) قنبلة موقوتة تهدد بتكرار مآسي الانهيارات المفاجئة (مثل فاجعة بناية السعادة سابقاً)، مما يفرض استنفاراً هندسياً ومجتمعياً لإخلاء هذه المواقع وتوفير مآوٍ آمنة.
إن واقع بلديات قطاع غزة عشية فصل الشتاء تؤكد أن الجهد المحلي المبدع والمبني على التطوع وإمكانات "ما تيسر" بلغ مداه الأقصى وهو يقف اليوم على حافة الانهيار التام. ونوهت جميع البلديات في قطاع غزة إن إنقاذ مئات الآلاف من أرواح الأطفال والنساء والنازحين من شبح الغرق والبرد والأوبئة لا يمكن أن يتحقق بالشعارات، بل يتطلب قراراً دولياً عاجلاً وفورياً مطالبة بأهمية التدخل الفوري والعاجل بهدف:
الضغط لفتح المعابر كأولوية قصوى: لإدخال قطع الغيار، والزيوت، والبطاريات، والمولدات، ومستلزمات الصيانة والآليات الثقيلة اللازمة للبلديات.
تمويل عاجل لمشاريع الطوارئ الشتوية: وتوفير المواد الإغاثية والخيام الصالحة للسكن والمنازل المتنقلة البديلة للنازحين في النقاط الحرجة والمنخفضة.
تضافر الجهود الأممية والمحلية: لإنشاء شبكة تنسيق مركزية تدعم لجان الطوارئ في البلديات قبل أن تباغتها عواصف الشتاء وتتحول الشوارع والمخيمات إلى بحيرات من المعاناة الإنسانية المفتوحة.

