محمد أبو دياب
باحث في الشئون الأمنية
شهدت الأيام السابقة عودة التداول لمصطلح الفلتان الأمني، ونشطت بعض الهيئات الحقوقية في إصدار بيانات لها عقب كل إصابة لمواطن هنا أو تفجير هناك تدين فيه الجهات التي تقف خلف هذه الأحداث غير القانونية، ثم تذيل هذا البيان بإطلاق فزاعة "عودة الفلتان الأمني".
وليس هذا تجنياً على الحقيقة أو بدعاً من القول، فقد أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بياناً في يوم 27/1/2020 ورد فيه " أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الاعتداءات التي تندرج ضمن حالة الفلتان الأمني، وفوضى السلاح المستشرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة....، وأشار المركز بقلق إلى تفجير سيارتين في مدينة غزة..."
وعلى غرار المركز الفلسطيني أصدرت مؤسسة الضمير بدورها بياناً في 2/2/2010 حيث جاء فيه " مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان تعبر عن قلقها الشديد تجاه ارتفاع عدد حوادث التفجيرات الداخلية في قطاع غزة ،...، حيث وثقت الضمير منذ مطلع العام 2010 وقوع 12 حالة تفجير داخلي، مما يشير إلى حالة فوضى وفلتان أمني".
ولم يتأخر مركز الميزان عن تصدير بيان كذلك ليؤكد ذات النهج الذي تنطلق منه جميع الهيئات الحقوقية في توصيف ما جري في قطاع غزة وجاء في البيان الذي أصدره المركز بتاريخ 2/2/2010 ما يلي " هذا وتشير أعمال الرصد والتوثيق التي يقوم بها مركز الميزان على تصاعد الأعمال التي تندرج في إطار الانفلات الأمني...".
ولا بد هنا من وقفة متأنية عن هذه الظاهرة .. ظاهرة إطلاق المصطلحات المفزعة والتي تثير القلق بشكل عشوائي وغير دقيق.
فلم يعد الانفلات الأمني لفظة يطلقها البعض لتوصيف موقف أو التعبير عن حدث فقد بات هذا اللفظ يشكل مصطلحاً له هوية خاصة به ولحظة ميلاد بتوقيت متفق عليه, وبيئة محددة ينشط فيها، وذلك كأي مصطلح آخر تم اعتماده في لغتنا العربية كالحضارة، الثقافة، الانتفاضة وهكذا..
وهذا يتطلب على كل من يود أن يستخدم هذا المصطلح " أو المفهوم " أن يلتزم بشروط هذا الاستخدام، وأهمها أن تتوفر ظروف نفس البيئة التي نشط فيها الفلتان الأمني أو ظاهرة تتجمع فيها مظاهر نشأة الفلتان الأمني , حتى نستطيع أن نطلق على هذه الظاهرة أسماً بذات المصطلح.
وهنا أقتبس من نفس النشطاء والعاملين في مجال حقوق الإنسان في غزة توصيفاً لحالة الفلتان الأمني التي سادت القطاع قبل إحداث 14/ 6/ 2007.
فقد نشر الأستاذ صلاح عبد العاطي مدير الهيئة المستقلة _ مكتب غزة _ مقالاً في 10/3/2006 جاء فيه.
"... وحادثة اقتحام سجن غزة المركزي وقتل بعض الموقوفين والسجناء فيه، نهيكم عن حوادث اقتحام مقرات السلطة والاعتداء على القضاء من خلال الاعتداء على منزل النائب العام ورئيس مجلس القضاء الأعلى، والاعتداء على القطاع الصحي والعاملين فيهما، وحوادث الاغتيال الكثيرة وإطلاق النار على أكثر من مسئول، والاعتداء على المقرات العامة بما فيها مقر الرئاسة والمجلس التشريعي ومكاتب المواطنين والاعتداء على المحلات العامة والفنادق والمطاعم والمنازل وحالات الاشتباك المسلحة بين الأجهزة المختلفة في أكثر من وقت ومكان وعدد من حوادث القتل بفعل فوضى السلاح والاستعراضات العسكرية وظاهرة الملثمين و....".
- ما سبق من هذا العرض الذي قدمه الأستاذ صلاح عبد العاطي هو التوصيف الحقيقي لما اتفق على تسميته اصطلاحا بالفلتان الأمني. وبأن هذا الفلتان فيه مظاهر وملامح أهمها:-
- عدم وجود هيبة لرجال القانون والقضاء.
- الاعتداء على مؤسسات السلطة بأذرعها الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
- استخدام السلاح بشكل دائم في شتى المناسبات والمواقع، مع شيوع ظاهرة الملثمين .
- تحول الأجهزة الأمنية من حالة توفير الأمن إلى قيادتها لأعمال الزعرنة والفلتان.
- ترويع المواطنين في البيوت والشوارع والمحلات والفنادق.
وهنا يحق لنا أن نسال الأخوة مدراء الهيئات الحقوقية. هل هذه الظواهر موجودة الأن في قطاع غزة بأي مستوى من المستويات.
وأظن أن الواقع السائد في القطاع سيجيب وبصورة قاطعة بان لا مظهر من تلك المظاهر يمكن أن يعيش في قطاع غزة، وأن يجد له مكانا.
وهذا ما أكده رئيس الوزراء الفلسطيني أ- إسماعيل هنية في لقائه مع الأجهزة الأمنية في قطاع غزة يوم الخميس 4/2/2010 حيث قال " إن وزارة الداخلية مطالبة بالضرب بيد من حديد على من يعبث بأمن المواطنين في قطاع غزة . وقال :"لن نسمح بعودة الفلتان الأمني من جديد إلى قطاع غزة مهما كانت الظروف، وأن ما نسعى إليه هو أن ينعم شعبنا الفلسطيني بآمن وأمان واستقرار".
وإذا وقفنا وقفة موضوعية لنطقنا بالحقيقة التالية :-
أن الأجهزة الأمنية في قطاع غزة استطاعت القضاء على كل مظاهر الفلتان الأمني ,ولنستعرض هنا ما تم انجازه من معالجات لتلك المظاهر , وهي أمور يمكن ملاحظتها بالعين المجردة , ولكن ليس أي عين , بل يجب أن تكون هذه العين موضوعية وصادقة , وأظن أنها متوفرة لدى الأخوة المعنيين في الهيئات الحقوقية , ومن أهم هذه المظاهر كان ما يلي :-
1. اختفاء المشاكل العائلية والتي حصدت العشرات من أرواح المواطنين , مع عدم الإغفال هنا دور الحكومة والحركة في معالجة أسباب وتداعيات هذه المشاكل والسعي بإصلاح ذات البين, ودفع ديات العديد من القتلى كمساهمة منها مع العائلات ذات العلاقة .
2. ضبط السلاح غير الرسمي والتوافق الوطني في كيفية استخدام سلاح المقاومة والذي يجب أن يستخدم في الوقت والمكان المناسب لاستخدامه.
3. اختفاء ظاهرة الملثمين وحاملي السلاح غير الرسمي في الميادين العامة .
4. تعزيز هيبة رجل الشرطة أثناء تنفيذه لمهامه، وعدم التطاول عليه من أي كان، ويظهر ذلك جلياً في عمل شرطي المرور, وسيادة النظام والهدوء في قاعات الامتحانات لطلاب التوجيهي .
5. اختفاء ظاهرة إطلاق النار في تشييع جنازات الشهداء والأفراح والمناسبات الوطنية الأخرى , وأصبح سماع صوت لإطلاق نار يحتاج إلى تفسير ومتابعة مباشرة من الجهات الأمنية .
6. ضبط لحركة المعابر، ويبرز ذلك جلياً في معبر بيت حانون الملاصق لقوات الاحتلال ومنع تحويله إلى معبر للهاربين والمفسدين ومكان لتواصل العملاء مع مخابرات الاحتلال .
7. التزام المؤسسة الأمنية بقرارات المستوى السياسي وانصياع القيادات الأمنية التام لقرارات الوزير المختص .
8. فتح أبواب المؤسسة الأمنية وأماكن الاحتجاز فيها أمام جمعيات حقوق الإنسان والصليب الأحمر وجميع الهيئات الرقابية الأخرى .
9. وقف الواسطة والمحسوبية في اعتقال أو توقيف الأفراد أو المتهمين فجميع المواطنين أمام القانون سواء، وعدم القيام بالاعتقالات السياسية في غزة كرد على ما يحصل في الضفة بل تم ضبط النفس وتغليب المصلحة الوطنية وتحكيم القانون في جميع الإجراءات الأمنية .
10. احترام قيم وتقاليد مجتمعنا خلال معالجة التجاوزات والخلاقات وحفظ عرض العائلات انطلاقاً من قوله تعالى " إن الله لا يحب أن تشييع الفاحشة " .
11. تم وأد مصادر الخلل والتجاوزات التي استمرت لسنوات في تحد واضح للحكومة وهيبة رجال الأمن، حيت تم معالجة ما كان يسمى المربع الأمني لبعض العائلات والجماعات، ومع اعتراض البعض-وقد يكون محقاً- على عنف المواجهة والمعالجة إلا انه يحسب لهذه الأجهزة في معالجتهم تلك وقف نزيف الدم المستمر والذي كان في حالة استمراره حتماً سيحصد عددا أكبر مما نتج عنه المواجهات التي تمت.
12. تفعيل أدوات الرقابة الداخلية في عمل الأجهزة الأمنية وتشكيل اللجان المختصة لمعالجة المشكلات والشكاوي المقدمة ضد عناصر هذه الأجهزة . ولعل مكتب المراقب العام في وزارة الداخلية شاهداً بفاعليته ونواتج عمله على هذه الرقابة ودقة المتابعة . وقد تم أخيرا افتتاح وحدة حقوق الإنسان في وزارة الداخلية لتسهيل عمل جمعيات حقوق الإنسان ومتابعة هذه الحقوق في عمل الأجهزة الأمنية .
13. اختفاء مظاهر الزعرنة لعناصر الأجهزة الأمنية مثل ظاهرة تفحيط السيارات ووضع المسدسات الظاهرة على خاصرة أحدهم، بل أصبحت وظيفة رجل الأمن حالياً قيد إضافي في زيارة الضبط والأخلاق لرجل الأمن حتى ما بعد الدوام الرسمي له .
14. تكامل عمل الأجهزة الأمنية فيما بينها وغياب الاقتتال البيني الذي كان سائدا بين الأجهزة الأمنية السابقة والتناحر فيما بينها .
وعليه فلا داعي لاستخدام المصطلحات المقلقة كفزاعة للمواطنين وإثارة الرعب والقلق , فهذا الأسلوب قد يكون أحد الطرق لإعادة الفلتان من حيث لا ندري ,وذلك بتشجيع المغامرين والمتربصين بركب الموجة بعد تصديقهم بأن مظاهر الفلتان بدأت بالعودة. وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الفتن , وأن نكون مفاتيحا للخير مغاليقا للشر.

