أدهم أبو سلمية
المنسق الإعلامي للخدمات الطبية
ما أجمل أن يكتب الإنسان عن العظماء، وما أجمل أن أوقع اليوم بقلمي لمسة وفاء لمن يستحقون الوفاء، أجل إنهم يستحقون الوفاء.
صحيح أن القلم مهما أبدع في رسم الكلمات، ونسج العبارات يصعب عليه أن يعطي أهل الوفاء قدرهم، إنهم من رسموا لنا خارطة العزة بدمهم، يوم وقفوا إلي جوار شعبهم يطببون الجراح ويداوون الآلام، يقابلون الموت بالاقتحام، يحملون هم وطنهم وشعبهم، إنهم رجال المهمات الطبية.
لقد كتب الكُتاب عن المقاومة ورجالتها في غزة الأبية وأبدعت كلماتهم، لكنهم لم يكتبوا عن أولئك الأبطال الذين يقفون إلي جوار المرضى والمصابين، ليخففوا من جراحهم، عن ملائكة الرحمة، أصحاب الثوب الأبيض بياض قلوبهم الطاهرة.
قررت أن أكتب لمسة وفاء لرجال المهمات الطبية في كل مكان من هذا العالم، وفي غزة الأبية على وجه الخصوص، لأن ما تمر به المؤسسة الصحية في قطاع غزة يختلف عن كل أقطار الدنيا.
فلا الحصار استثناهم ولا الحرب أعطت لهم تلك الحصانة التي كفلتها لهم الشرائع السماوية والدنيوية بل طاردتهم طائرات العدو ولاحقتهم في كل مكان.
لقد جاءت الحرب الأخيرة على غزة لتكشف عن سوءة المحتل، يوم لاحت يده فقتلت وبطشت، يوم حول غزة إلي دمار ولوث هواها برائحة الفسفور الأبيض الذي غطى السماء.
لقد نالت المؤسسات الصحية في قطاع غزة وعلى رأسهم الخدمات الطبية ووزارة الصحة نصيباً كبيراً من إرهاب العدو الذي فدمر عدد من المراكز الصحية واستهدف بصورة متعمدة سيارات الإسعاف وأوقع العشرات من الشهداء والجرحى من الطواقم الطبية في رسالة واضحة لهؤلاء الرجال أن أفعالكم ووقوفكم إلي جوار شعبكم أغاض عدوكم.
لقد شاهد العالم كيف كانت طائرات الموت تزرع الموت في كل شارع في غزة، وشاهد أيضاً كيف أغلق الاحتلال المعابر في وجه كل شيء يدخل لغزة حتى الدواء، ولقد شاهد العالم كيف تحدى رجال المهام الطبية بإمكانيتهم المتواضعة كل هذه الحرب والحصار.
شاهد العالم كيف استطاع أطباء غزة أن ينقذوا أرواح العشرات من المرضى والمصابين على الرغم من نقص المعدات والتجهيزات وغرف العمليات وانقطاع الكهرباء، إلا أن الأيام أثبتت أن من يملك الإرادة يملك القدرة على صنع المعجزات.
وإن كنا نكتب اليوم لهذه المؤسسات الصحية العاملة في قطاع غزة، فلا ننسى أن نوجه التحية أيضاً لمن قطعوا آلاف الأميال ليقفوا إلي جوارنا في هذا الوضع الإنساني الصعب إنه المستشفى الميداني الأردني.
لقد أصاب المؤسسة الصحية في قطاع غزة إلي جانب آثر الحصار والحرب كارثة أخرى يوم طالب أصحاب القلوب السوداء من هؤلاء الأطباء أن يتركوا عملهم، ,أن يتركوا أسرة المرضى ويجلسوا في بيوتهم، ولا يخفى على أحد ما حدث في مستشفى بلسم العسكري عندما ترك المرضى بقرار من سلطة رام الله تحت ذريعة ممارسة الضغط على حماس.
لكن الأوفياء الصادقين منهم أبى أن يغادر مكان عمله، أبى أن يخون قسم الطب الذي أقسمه فثبت ولم يتراجع رغم كل التهديدات.
لقد مرت المؤسسة الصحية في قطاع غزة ولا زالت بأوضاع أقل ما توصف بأنها صعبة للغاية، لكن صخرة الصعوبات التي واجهة عمل المؤسسات الصحية تحطمت على يد رجال يعشقون مواجهة الصعاب، وهذا دأب رجال المهمات الطبية فالله درهم.
لله در الطبيب الذي يداوي المرضى، ولله در الممرض الذي يساعده، ولله در رجل الإسعاف الذي ينقل المرضى ولله در كل الرجال في كل التخصصات الطبية، ولله در الرجال القائمين على هذه الأمانة من وزير الصحة إلي مدير الخدمات الطبية العسكرية إلي مدراء المستشفيات والعيادات وغيرهم.
وقبل أن أختم لمسة وفائي هذه فإنني أهمس في أذن الطبيب لأقول له إن مهنتك أمانة ستحاسب عليها أمام الله فلتتقي الله في عملك، وعلم أن الله ينظر إليك فكن كما أرادك الله في هذا المكان وتحلى بالصدق والأمانة والإخلاص.
وختاماً أقول إن الكلمات مهما كانت ستبقى أقل من أتعطيكم حقكم أيها الرجال، لكنها لمسة وفاء بسيطة نذكركم بها، نشد بها على أياديكم، ندعوكم فيها إلي الإخلاص في العمل، ندعوكم فيها إلي الإبداع، ندعوكم لتحولوا محنة الحصار إلي منحة من العمليات النوعية بجهدكم وإخلاصكم، وبارك الله فيكم.

