رياض خالد الأشقر
مختص في شئون الأسرى
ومدير الدائرة الإعلامية بوزارة الأسرى
لم أفاجأ كثيرًا من آخر " تقليعة " قام بها المستوطنون الذين يطلقون على أنفسهم " مركز النضال للإفراج عن شاليط " حين قرروا وضع ملصقات على المساعدات والبضائع التي تصل إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم الذي يسيطر عليه الاحتلال ، كُتب فيها " إن أصبح جلعاد حر .. فستنعمون بالحياة وتشعرون بالانتعاش " و" يا أهالي غزة .. الحصار والخناق عليكم ليس حكمًا من الله " و " شاليط مقابل رفاهيتكم " و " إذا خرج شاليط .. سوف يفتح سجن غزة أبوابه "
هذا التصرف حسب اعتقادي ليس أمرًا عفويًا من قبل أشخاص مبادرين للتضامن مع زميل لهم مختطف أو قريب طال غيابه عند شعب يقدس الحياة ويكره الموت ويخاف لقاءه ، بل تم التخطيط له بشكل جيد على اعتقاد أن يحقق لهم عدة أهداف وهى :
أولاً : هي محاولة يائسة من قبل الاحتلال الصهيوني لإجبار الفلسطينيين على القيام بخطوات من شأنها أن تؤثر على موقف حماس في الصفقة ، بحيث يشكل ضغطًا عليها للإسراع بإتمام تنفيذ صفقة التبادل بالرؤية التي يطرحها العدو الصهيوني ، وعدم التشدد في وضع شروط لا يقبل الاحتلال تنفيذها، وهذا على الأقل كان الهدف المعلن للحملة حسب ما أكد القائمون عليها .
ثانياً : إن ربط قضية شاليط باستمرار الحصار والوعود الكاذبة بالرفاهية وجنة عدن إذا تم إطلاق سراحه، يأتي في سياق الحرب النفسية التي يمارسها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني ، وفصائل المقاومة ، حيث يريد الاحتلال بذلك أن يقول: إن كل معاناتكم وحصاركم وجوعكم إنما مرده إلى احتجاز شاليط ، فإذا زال السبب وأطلق سراح شاليط فستنعموا بالأمن والأمان والاطمئنان وهدوء البال ورغد العيش ، وإذا عاد المسكين إلى أهله سيرفع الحصار عنكم ويسمح لمواد البناء بالدخول وسيعود العمال إلى مقار عملهم داخل الخط الأخضر وسيتدفق عليكم الغاز والكاز والتفاح باختصار "سيعيد شاليط إليكم الحياة " .
ثالثاً : حشر المواطن الفلسطيني في زاوية المقارنة بين وضعه قبل شاليط ، وكيف أصبح حاله بعد شاليط ، ليجد الفرق الكبير وبالتالي يصل إلى استنتاج أن أسر شاليط لم يكن خيرًا لنا، بل كان كارثة علينا ، وهذا للأسف ما يردده بعض الجهلاء وضعاف النفوس .
إن مثل هذه الأساليب بكل تأكيد لن تجد آذانًا صاغية لدى أبناء شعبنا ، الذين يتطلعون إلى إتمام صفقة تبادل مشرفة ، ولا يقبلون بأقل من إطلاق سراح الأسرى القدامى الذين أمضوا عشرات السنين خلف القضبان ، وبعضاً من أولئك الذين حكموا بآلاف السنين ،وكافة أسيراتنا الصامدات الصابرات القابضات على الجمر، والأطفال الذين انتزعوا من مدارسهم وأحضان ذويهم إلى سجون لا ترحم ، وسيستمروا في الوقوف بجانب المقاومة لدعم ثباتها ومواقفها المشرفة حتى لو أعاقها الاحتلال عدة سنين أخرى.
ومن يقول بأننا لم نقدم الكثير مقابل شاليط فهو يخدع نفسه، نحن قدمنا بالفعل ثمناً كبيراً، ولكنه يساوى أكثر من تلك البضاعة التي تلقيناها مقابل هذا الثمن .. بضاعة العزة والكرامة وتمريغ أنف الاحتلال في التراب ، وهذه عجزت عنها أقوى الجيوش ، وليس هذا فحسب، إنما سنكسب بإذن الله تعالى وعما قريب المئات من فلذات أكبادنا ومهج قلوبنا وتاج رؤوسنا .. أولئك الذين ما بخلوا ولا قصروا في دفع الثمن مقابل أن نحيا بحرية وكرامة .. هم يستحقون أكثر من ذلك ..وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في سبيل ذلك من أعظم القربات" .
فاخسئوا أيها المجرمون ، لن تستطيعوا مساومة شعبنا المجاهد على حرية أسراه ولو وضعتم الدنيا كلها بين يديه، وليس لكم خيار سوى الخضوع لشروط المقاومة الفلسطينية وإطلاق سراح الأسرى ، وإلا .. سيرى شاليط النور.. ولكنه بالتأكيد ليس نور الشمس أو نور الحرية.. إنما نور " المصباح " الذي يضيء زنزانته .

