رياض خالد الأشقر
مدير الدائرة الإعلامية بوزارة الأسرى والمحررين
يَعُد الأسير الفلسطيني الأيام والشهور والسنين في انتظار انتهاء فتره محكوميته التي فرضتها عليه محاكم الاحتلال الظالمة والتي تفتقر إلى العدل والنزاهة وتأتمر مباشرة من جهاز المخابرات "الشاباك"، وما أن يحين موعد إطلاق سراحه ،ويتجهز لهذا اليوم بلبس أفضل الملابس لديه، ويحمل معه ما اعد من هدايا ومشغولات للأهل والأحباب، وبعض رسائل الشوق من الأسرى إلى ذويهم، ويودع رفقاء القيد بالدموع والوصايا والأمنيات بان يفك الله قيدهم في القريب العاجل،ويلتقون على ارض الوطن، حتى يطل السجان بوجه القبيح العابس لينادى على رقمه وهو مكره على ذلك" -لان الاحتلال يجلب إلى السجون سجانين من أسوء أنواع البشر- ويخرجه ذلك الجندي من القسم الذي يقبع فيه ويسير به نحو الحافلة التي تقل الأسرى المفرج عنهم نحو الحرية والأمان، ولكن في اللحظات الأخيرة ومع اقتراب الخطوات نحو تلك الحافلة، ومع تجدد الأمل بانتهاء المعاناة بعد هذه السنوات الطويلة، فجأة ودون سابق إنذار.. ينعطف ذلك الجندي اللعين جانباً بعيداً عن تلك الحافلة التي تبقى عين الأسير معلقة بها حتى يغيب في تلك الغرفة الصماء الباردة، ويشعر الأسير بقشعريرة تسرى في جسده لا يعرف سببها، إلا بعد أن يرى ذلك الضابط الذي يتدلى كرشه أمامه ويكشف عن أسنانه بابتسامه صفراء تنم عن التشفي والشماتة، ليخبره وهو يتلذذ بعذابه نفسياً " لن تخرج اليوم من الأسر ولن تذهب إلى بيتك كما تعتقد .. أنت مقاتل غير شرعي .. وستبقى في ضيافتنا لفترة أخرى لم تحدد بعد .. وسط ذهول الأسير وصدمته يحاول الاستفسار عن سبب هذا التمديد بعد أن أنهى بالفعل فترة الحكم الذي فرض عليه،وما هو المقاتل الغير شرعى ولكن دون جدوى حيث يرد ذلك الضابط بان هذه أوامر عليا ونحن ننفذ .. وفى تلك اللحظات يكون الجندي المرافق قد دفع بالأسير بخشونة وحقد خارج الغرفة ليعيده إلى أقسام السجن مرة أخرى .. ويبدأ رحلة العودة إلى الغرف أو الخيام والتي لا تتعدى دقائق .. .ولكن يشعر بها الأسير وكأنها سنوات تمر عليه، ويستعيد شريط ذكرياته طوال سنوات الأسر، وهو يتابع بعينيه الشاردتين الأسرى الذين تجمعوا بجانب الأسلاك الشائكة ينظرون إليه وكل منهم يتساءل عن سبب عودته بعد إطلاق سراحه، ويضيع الأمل .. وتتبخر الأحلام بلقاء الأهل والأحبة.. وتوزيع الحلوى .. وتعليق الزينة .. وقبلات الوالدة الحنونة التي عانت لسنوات وهى تنتظر نجلها لكي تبحث له عن بنت الحلال وتفرح بأولاده قبل أن تفارق الحياة .
ويعود الأسير إلى "البرش" ويخلع ملابس "الشحرور" ويكون حينها قد دخل وقت "السفيرا" ليجلس مع بقية الأسرى على الأرض ليقوم ضابط أخر بإحصاء أعدادهم مرة وأخرى حتى يتأكد من اكتمال عدد الأسرى المقيد لديه في السجل.
هذا المشهد يتكرر باستمرار مع كل أسير من قطاع غزة يفرض عليه الاحتلال قانون "مقاتل غير شرعي" والذي ابتدعه ليضمن احتجاز الأسرى لفترات مفتوحة دون أن يضطر لتقديم تهمة أو أدلة أو عرض على المحاكم، بشكل يخالف ابسط قواعد حقوق الإنسان.
فأي حياة تلك التي يحياها آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الظلم ، وأي احتلال هذا الذي يلاحق الإنسان في كل حركاته وسكناته وهمساته، بل وعن أي ضمير عالمي وحقوق إنسان يتحدثون في الوقت الذي يترك فيه ذلك الوحش يتحكم في مصير الأبرياء، فيقتل ويجرح ويأسر ويهدم ويدمر دون حسيب أو رقيب.. وكم ذهلت عندما قرأت خبراً يتحدث عن جمعية حقوقية في سويسرا ترفع قضية ضد احد الصيادين لأنه عذب سمكة حينما امسك بها كي تستكين وهى داخل الشبكة !! .... ولا تعليق.

