سلامة معروف
تمر هذا الشهر الذكرى الرابعة لتولي حكومة رئيس الوزراء إسماعيل هنية مهامها وتكليفها من قبل الرئيس "آنذاك" محمود عباس، في أعقاب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث منح المجلس التشريعي الثقة للحكومة وبيانها السياسي، وهي العاشرة في تاريخ السلطة الفلسطينية بأغلبية 71 صوتاً، مقابل معارضة 36 صوتاً، وامتناع نائبين عن التصويت، وذلك في 28/3/2006، حيث صوت نواب حركة فتح والطريق الثالث لحجب الثقة، في حين امتنع عضو كتلة البديل وفلسطين المستقلة عن التصويت.
وبنيلها ثقة الأغلبية المطلقة في المجلس التشريعي، قامت الحكومة المشكلة من رئيس الوزراء وأربعة وعشرين وزيرا بأداء القسم القانوني أمام الرئيس، وبهذا تكون الحكومة الفلسطينية العاشرة قد سجلت لنفسها في كتب التاريخ سبقا ليس فقط لكونها أول حكومة يؤدي أكثر من نصف أعضائها اليمين الدستورية عبر نظام الفيديوكونفرس، ولكن أيضاً كونها لم تتمكن من الحصول على صورة جماعية واحدة، ولذا التقطت الحكومة صورتان تذكاريتان، الأولى في غزة مع الرئيس عباس ورئيس الوزراء، والثانية في رام الله مع الأمين العام للرئاسة الطيب عبد الرحيم ورئيس المجلس التشريعي د. عزيز الدويك ونائب رئيس الوزراء د. ناصر الدين الشاعر، وهو ما أعطى مؤشرا عن طبيعة ما ستواجهه هذه الحكومة والعراقيل المفروضة عليها.
وفي الأول من شهر ابريل للعام 2006 بدأ الوزراء في التوافد على وزاراتهم واستكشاف واقع تلك الوزارات الذي كان يشكل عالما مجهولا لهم أبعدوا عنه توظيفا على مدار سنوات السلطة بحجة "السلامة الأمنية"، ودخلوه اليوم مسئولين عنه، لتتوالى الأحداث وتتعاقب الخطوب على هذه الحكومة عبر أعوام عمرها الربع حتى الآن.
وبهذه المناسبة تحتفل "الرأي" عبر إصدار أربعة أعداد متتالية طوال شهر ابريل، تستعرض خلالها أبرز المحطات التي مرت بها الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات العام 2006، وجهودها لتذليل العقبات والتخلص من المعيقات والصعوبات التي وضعت في طريقها.
وقد تميز العام الأول من عمر الحكومة التي شكلتها –خالصة- حركة حماس دون مشاركة أي من القوى والفصائل الأخرى، تميز هذا العام بملامح عامة انعكست على أداء الحكومة وقدرتها للإيفاء ببرنامجها الانتخابي الذي نالت على أساسه الثقة من المجلس التشريعي، وواجهت الحكومة مشكلات عديدة، فعلى الصعيد الخارجي اصطدمت الحكومة بقرار عدم الاعتراف بالانتخابات والنتائج التي أفرزتها بفوز حركة حماس الساحق؛ رغم إقرار المجتمع الدولي بنزاهة تلك الانتخابات وديمقراطيتها، وبالتالي وضعت العراقيل أمام الحكومة حتى قبل تشكيلها، ورفعت المنظومة الدولية في وجه هذه التجربة الوليدة كروت الإنذار عبر اشتراطات الرباعية المطالبة بالاعتراف بإسرائيل والقبول بالعملية التفاوضية وقبول القرارات الدولية ذات الصلة، والتخلي عن المقاومة المسلحة وهو ما رفضته الحكومة واعتبرته تدخلا سافرا في شئونها، مؤكدة أنها حكومة مقاومة تحمل برنامجا يرى في المزاوجة بين المقاومة والعمل السياسي طريقا أمثل للتحرير.
وهكذا أشهرت الرباعية الدولية كرت الطرد للحكومة الوليدة عبر فرض الحصار الدولي عليها، وبدأت تحاك المؤامرات وتعد الخطط بمشاركة متعددة المستويات داخليا وإقليميا ودوليا، وهدف هذه المؤامرات واحد وهو ليس إجبار الحكومة على الانصياع لهذه الاشتراطات بل القضاء عليها وتحميلها مسئولية ما سيعانيه الشعب الفلسطيني نتيجة اختياره.
أما على الصعيد الداخلي فقد عانت الحكومة من تداعيات هذه المؤامرات عبر ظاهرة الانفلات الأمني وما رافقها من خطف للأجانب والاعتداء على الصحفيين وازدياد حالات السرقة بالإكراه تحت تهديد السلاح، وتجريد الوزراء من صلاحياتهم وسحبها لصالح مكتب الرئيس أو غيره من مؤسسات منظمة التحرير التي استحضرت ودبت فيها الروح بعد حالة من الموت السريري، وتواصلت حالة عدم انصياع الأجهزة الأمنية وحتى المدنية، والإضرابات المسيسة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإيقاف دفع الرواتب من قبل الدول المانحة وحدثت هذه المشاكل كلها بدعم وتحريض من أمريكا والكيان الصهيوني، وبعض الدول العربية، وبتنفيذ من جهات محسوبة على المجموع الفلسطيني، أخذت تسلب من الحكومة جزء كبير من قدرتها وتجريدها من أدوات العمل الممكنة.
وقد شهدت تلك الفترة حدثا اختزل واقع الحال عندما منع رئيس الحكومة من عبور أحد الحواجز المقابلة لمقر جهاز الأمن الوقائي، رغم معرفة أفراد الأمن له وتيقنهم من شخصيته وهو ما يدلل على تعمد وقصد بغرض الاهانة، إلا أن حنكة الأخ أبو العبد وتعامله بحكمة وضبط نفس يحسد عليهما حالت دون افتعال مشكلة وتصعيد الأمر، وهو ما عبر عنه لاحقا باختصار تلك السنة بقوله"كنا في الحكومة ولم نكن في الحكم".
واستمر واقع الحال بين شد وجذب عبر سلسلة من جولات الفلتان الأمني والزعرنة ومحاولات زعزعة ثقة الناس بهذه الحكومة، ورغم الجهود الحثيثة التي بذلت للجم هذه الفئة بكل السبل السلمية كوثيقة الأسرى، أو حتى التصدي لها ميدانيا فإن ذلك لم يردعها عن الاستمرار في مخططاتها التي رسمت لها سلفا، ومع زوال العام بقيت المؤامرات وكذلك بقيت الحكومة شامخة راسخة في وجهها، حتى جاء اتفاق مكة مع انقضاء العام الأول ليفتح الصراع على صفحة جديدة لم تكن أفضل حالا من سابقتها، وهو ما نستعرض ملامحه لاحقا.

