أخبار » مقالات

اتفاق مكة والحسم العسكري

11 أيلول / أبريل 2010 12:16

سلامة معروف

تحدثنا سابقا عن أبرز ملامح العام الأول من عمر الحكومة على صعيد علاقاتها الداخلية ومواجهتها لكل المؤامرات ومظاهر الانفلات الأمني ، وما عانت منه خارجيا من حصار ومقاطعة وفرض لأجندات سياسية، وشهدت نهايات تلك السنة محاولات حثيثة للتقارب والالتقاء قادها بالأساس الأسرى داخل معتقلات الاحتلال، فيما عرف بوثيقة الأسرى، التي وضعت تصورا لتنظيم علاقة المشاركة بين طرفي الصدام الذي كان سياسيا وتطور لاحقا ليصبح إداريا وأمنيا وميدانيا.

تلقفت الحكومة هذه المبادرة وسعت للبناء عليها والتحشيد لها لما وجدت فيها من إطار يصلح لوضع حد لحالة الاستنزاف المستمرة، وبعد جولات عديدة من الاقتتال، توافق الجميع على وثيقة الوفاق الوطني، ولبت الأطراف المختلفة دعوة من خادم الحرمين الشريفين لحضور مؤتمر مصالحة وتوافق لعله يستطيع أن يرسو بسفينة الشعب الفلسطيني إلى بر الأمان، وفي يوم الثامن من فبراير 2007م ، شهدت مكة المكرمة اتفاقا ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية ، والسعي لتطوير وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديد الصلاحيات والمهام السياسية والإدارية لكلا من الحكومة والرئاسة ومنظمة التحرير.

رغم الفرحة العارمة التي اجتاحت الشعب الفلسطيني بمجرد الإعلان عن توقيع الاتفاق، ومظاهر التفاؤل التي سادت في الشارع الفلسطيني على أمل أن يضع الاتفاق حدا لإراقة الدماء، إلا أن أصحاب الأجندات الخارجية ودعاة الفتنة أبوا إلا أن ينغصوا على الشعب فرحته، ففي نفس الليلة قامت مجموعات يفترض أنها لحفظ الأمن بقتل مجموعة من رجال كتائب القسام وعلى رأسهم الشهيد محمد أبو كرش بعد أن أوقفتهم على حاجز عند منزل عضو مركزية فتح "محمد دحلان"، ليشكل هذا الحادث المدبر والمقصود عنوانا للمرحلة التي تلته، لتتنكر هذه الفئة للاتفاق رغم وجودها في حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت، ويبدأ الحديث عن مصطلح الفوضى الخلاقة التي اتخذت من قتل العلماء سياسة ، ومن تصفية المواطنين على الهوية واللحية والحجاب نهجا، ومن الاعتداء على المساجد وقتل المصلين داخلها أسلوبا للترهيب، كما شهدت تلك الفترة إنشاء ما عرف بالمربعات الأمنية، وتزايدت عربدة فرق الموت التابعة للأجهزة الأمنية، وانتشرت المسيرات المسلحة التي لم تتورع عن مهاجمة المسئولين والوزارات والمجلس التشريعي، والاعتداء على الحكومة خلال جلسة انعقادها، ومهاجمة منزل رئيس الوزراء، وكل تلك المظاهر كانت مقدمة للتحرك الانقلابي بقيادة الأجهزة الأمنية التي تدين بالولاء لحركة فتح وتخضع لقيادة مجموعة من أمراء الحروب، وبدأنا نسمع من مصادر عديدة داخلية وخارجية عن خطة إليوت ابرامز الأمريكية للقضاء على الحكومة وحماس عسكريا بالاعتماد على أدواتها في الأجهزة الأمنية، بعدما فشلت كل جهودها لفض الشعب من حول الحكومة.

تكللت هذه الجهود بالفشل كما باءت محاولة اغتيال رئيس الوزراء بعد عودته من رحلته الخارجية الرامية لحشد الدعم والتأييد للموقف الفلسطيني القابض على الثوابت، وإزاء هذا الوضع الآخذ في التأزم وبعد وصول جرائم هذه الفئة المأجورة مستويات لا تطاق، أصبح وضع حد لها مطلبا شعبيا وجماهيريا، فكان الحسم العسكري ليفشل انقلاب فتح الدموي، وليخزي سياسة "الخمسة بلدي"، ولتتمكن الحكومة من إحباط مخطط القضاء عليها المدعوم إقليمياً ودولياً.

 وتنجح الحكومة في فرض سيادتها وحفظ الأمن وتطبيق القانون، بعدما فرت فلول الانقلابيين بمعاونة وترحيب من الاحتلال إلى الضفة المحتلة، وتقضي على ما تبقى من بؤر الفتنة والتوتير، وتطلق سراح الصحفي البريطاني ألان جونستون بعد شهور طويلة قضاها رهينة في يد خاطفيه المحسوبين على الأجهزة الأمنية.

لم تلتفت الحكومة إلى الوراء ومضت بثقة وثبات لإدراك ما فاتها من البناء، فأعلنت العفو العام وبدأت في إصلاح الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة التي عانت من آثار المرحلة السابقة، وأنهت ظاهرة فوضى السلاح وقضت على عربدة العائلات غير المنضبطة، ورحبت منذ اليوم الأول للحسم بطي صفحة الماضي، رغم ما وقع بين أيديها من وثائق ومستندات في مقرات الأجهزة المختلفة، مطالبة الرئيس محمود عباس بالعمل المشترك والاستفادة من حالة الأمن والأمان التي لم تتوفر طوال سنوات حكم السلطة في قطاع غزة.

لم تنجح جهود الحكومة في لم الشمل مجددا واصطدمت نواياها الصادقة بمؤامرات ذات أشكال ووسائل جديدة عكف عليها من رفضوا الاصطفاف إلى جانب شعبهم وتنكروا لتضحياته عبر التاريخ، فبدأت المناكفات السياسية وقطع الرواتب ومحاولات زعزعة الأمن والاستقرار وزرع الفتنة، ليشهد عام الحكومة الثالث في الحكم تحديات من نوع جديد، وهو ما نستعرضه لاحقا.   

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟