وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1062) الإعلام الحكومي: الاحتلال "الإسرائيلي" ارتكب 377 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار خلال شهر أبريل أسفرت عن 111 شهيداً و376 مصاباً، وسط إخلال جسيم ببنود الاتفاق واستمرار تعطيل إدخال المساعدات الإنسانية وكالة الرأي الفلسطينية بيان صادر عن سلطة الطاقة والموارد الطبيعية: سلطة الطاقة تعلن تسعيرة الكهرباء من المولدات التجارية وتؤكد إجراءات السلامة والتزام المزودين وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1061) الإعلام الحكومي: بمشاركة 500 موظف حكومي: انتخابات بلدية دير البلح نموذج لتعزيز الديمقراطية وتطوير الحكم المحلي وترسيخ المشاركة المجتمعية وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1060) الإعلام الحكومي: مواصلة التصدي الحازم للاحتكار والسوق السوداء وضبط الأسعار وفق التسعيرة الرسمية وندعو المواطنين للتعاون في حماية المستهلك وصون الأمن الاقتصادي وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1059) الإعلام الحكومي: يوم الأسير الفلسطيني: أكثر من 9,600 أسير في سجون الاحتلال بينهم نساء وأطفال وسط تصاعد الانتهاكات الممنهجة وغياب المساءلة الدولية وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1058) الإعلام الحكومي: تصريحات نائب الرئيس الأمريكي فانس بشأن المساعدات إلى قطاع غزة غير صحيحة وتحمل تضليلاً للواقع وتجاهلاً للكارثة الإنسانية المتفاقمة وكالة الرأي الفلسطينية بيان (1057) الإعلام الحكومي: تفنيد ادعاءات نيكولاي ملادينوف حول عدد الشاحنات التي دخلت غزة.. الأرقام الحقيقية تكشف تضليلاً واضحاً ومسؤوليات غائبة وكالة الرأي الفلسطينية الدمام كما لم تعرفها من قبل: دليلك لاكتشاف أجمل المعالم السياحية وكالة الرأي الفلسطينية بيان (875) المكتب الإعلامي الحكومي: العثور على أقراص مُخدّرة داخل أكياس الطحين القادمة من مصائد الموت "مراكز المساعدات الأمريكية-الإسرائيلية" جريمة بشعة تستهدف صحة المدنيين والنسيج المجتمعي وكالة الرأي الفلسطينية مسؤول أممي سابق: "مؤسسة المساعدات الأمريكية" يديرها مرتزقة
أخبار » مقالات

رزقة : تجربة الحكم قفزت بحماس إلى الساحة الإقليمية والدولية .. وجعلتها طرفاً مقرراً

11 آيار / أبريل 2010 12:22

أربع سنوات من حكمها

تجربة الحكم قفزت بحماس إلى الساحة الإقليمية والدولية .. وجعلتها طرفاً مقرراً

الحكومة وفرت خلال حكمها غطاء قانونياً للمقاومة

تجربة الحكم عرّت المفهوم الغربي للديمقراطية

 أ.د يوسف رزقة

المستشار السياسي لرئيس الوزراء

من المفيد أن نتحدث عن تجربه حماس في الحكم مع اقتراب اكتمال أربع سنوات في الحكم وفي السلطة التشريعية. حيث تسلمت حكومة فلسطين العاشرة برئاسة إسماعيل هنية مقاليد أعمالها في 29/3/2006م.

إن الحديث في تجربة حماس في الحكم يقتضي الحديث في مستويات عديدة منها المستوى السياسي، والمستوى الإداري، والمستوى الأمني. وبسبب طبيعة الندوة وقصر المدة الزمنية فسوف أتوقف عند الحديث في المستوى السياسي من التجربة، مع الإقرار المسبق بتداخل المستويات وتدافعها، لكن مقتضيات الحال تقتضي الفصل بينها، وسأحاول أن أجمع حديثي في نقاط ثلاث:

الأولى:  تتناول ما قبل المشاركة في الحياة السياسية من خلال صندوق الاقتراع وطبيعة هذه المشاركة

          وضرورتها وفلسفتها.

والثانية: المشاركة وتولي الحكم وانعكاسات ذلك على المشروع الإسلامي الذي تقوده حماس في المنطقة، وامتداداته في الإقليم والتاريخ.

والثالثة: التداعيات السلبية للمشاركة والحكم، بعد أربع سنوات من الحكم وتولي المسئولية عن الشعب، في ظل ظرف غير ناضج محلياً وإقليميا ودولياً.

فلسفة المشاركة الحكم

          لم يكن قرار المشاركة في انتخابات 2006 ثم تولي مسئولية الحكم قراراُ عادياُ يمكن أن يتخذه فرد أو مجموعة أفراد في حركة حماس لذا كان قراراً شاركت فيه المؤسسة بهياكلها المختلفة في الداخل والخارج والسجون.

          لقد كانت حماس في عام 2006 في مواجهة قرار سياسي مهم له تداعياته المحلية والإقليمية والدولية، ومازالت إلى اليوم وبعد أربع سنوات من القرار والحكم تعيش في مواجهة مع هذا القرار وفلسفته إذ ما تزال ثمة أصوات داخل الحركة تعود إلى الوراء وترى أن ترك الحكومة والحكم أولى من البقاء فيه لاعتبارين أساسيين:

الأول: أننا في مرحلة تحرر وطني وتقرير مصير، وطبيعة هذه المرحلة تتناقض مع طبيعة (مرحلة الحكم، لاسيما وأن مرحلة الحكم التي نسميها (السلطة) هي الشرك الصهيوني الذي أرادت به الصهيونية إخراجنا من (مرحلة التحرر ومقتضياتها). وقد نجحت في مشروعها نجاحاً كبيراً.

والثاني: أن مرحلة الحكم (السلطة) تقتضي المسئولية الكاملة عن الشعب الفلسطيني، وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة له، والدفاع عن مصالحه، ومواجهة العدوان الإسرائيلي والاستيطان والاحتلال بشكل عام، وهذا أمر يتعذر القيام به بنجاح في ظل سيطرة إسرائيل على المعابر والمال والحدود والاقتصاد وفي ظل خذلان عربي، وانحياز أميركي غربي لإسرائيل. وبالتالي فإن ما فشلت فيه فتح في عشر سنوات من الحكم مع توافق برنامجها التفاوضي مع إسرائيل ومصر والغرب لن تنجح فيه حماس في برنامجها المقاوم المرفوض من الغرب وأميركا قبل إسرائيل، إذا أضفنا إليه قيود الحكم والحكومة.

          هذا الصوت الذي عبّر عن نفسه في مداولات المشاركة في الانتخابات ثمّ في مداولات تولي مسئولية الحكومة مازال حاضرا، وإن بنسبة أقل عند حديثه عن التجربة بعد انتهاء أربع سنوات من الحكم، وهنا أود القول بأن قراءات هذا الصوت وتقييماته للتجربة ستبقى محشورة في دائرة سلبية لأن مشكلة تقييماته وقراءاته ستبقى ذاتية مع نفسه ورؤيته أكثر منها مع الوقائع العملية للتجربة.

          مشكلة هذا الصوت أنه يهمل أو يغفل عن التغييرات التي أحدثها اتفاق أوسلو، وكيف استطاع هذا الاتفاق (الشرك) أن يسلخ نصف الشعب وفيه فتح ومنظمة التحرير عن الرؤية الإستراتيجية التي ينادي بها، ولأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية يصبح نصف الشعب في مواجهة ذاتية مع النصف الآخر الذي يتولى السلطة ويلتزم بأوسلو.

السلطة أم التحرير ؟!

          إن مشكلة التحرير وتقرير المصير لا تكمن في الانتخابات أو في تولي مسئولية الحكم،(فقد وفرت حماس من خلال حكمها غطاء قانونياً للمقاومة).

          وإنما تكمن في خيار المفاوضات الذي أوهم الفلسطينيين والعرب أننا سائرون في طريق التحرير وتقرير المصير بدون مقاومة. وإن المقاومة المسلحة عبثية وانتكاسة للمشروع الوطني. وهي أوهام مريحة للنظام العربي قبل الفلسطيني.

          إن فلسفة النقاء الثوري، وفلسفة ترتيب الأولويات، وهل التحرير أولاً أو الدولة والسلطة أولاً، فلسفة تم إعطابها وإفسادها عمداً من خلال اتفاق أوسلو المشئوم، ولم يعد بالإمكان إصلاح هذا العطب الكبير من خلال لغة الثورة النقية، والحديث الأكاديمي في ترتيب الأولويات، دون مدافعة النصف الذي تنفذ في السلطة وأفسدها وقلب أجندة الأولويات وتماهي مع العدو في الإطار الأمني بشكل لم يسبق له مثيل. وما زال في دوامة ومتاهة الإطار السياسي بلا أمل.

          إن فلسفة هذا الصوت مسكونة بحالة ما من الهروب من الواقع، أعني أن الواقع في فلسطين لم يعد يسمح بعد أوسلو بما يريده هذا الصوت الذي يحظى عندي باحترام لا باتهام، وبتقدير لا بتجريح، غير إن ثقل المواجهة على مستوى (التحرير) ثم على مستوى (الحكم) ثم على مستوى (العلاقات الداخلية مع فتح) يدفعه نحو الهروب من مسئولية الجمع بين هذه المستويات، والتقدم نحو الأمام بالنقاء الثوري والأولويات المرتبة جيداً وحبذا لو عاد هذا الصوت قراءة كيف سرق المشروع الاسلامي التحرري في تجربة الجزائر ونيجيريا واريتريا وحتى مصر.

الحكم والمشروع الإسلامي

          من المفيد أن نقول إن المشروع الاسلامي الوطني لفلسطين هو شيء أكبر من (المشاركة في الانتخابات) وأكبر من تولي مسئولية الحكومة، ومن ثمة فهو مرجعية المشاركة ومرجعية الحكم أو هكذا ينبغي أن يكون الأمر؛ وعليه فإن التقييم المعياري للتجربة يرتبط بشكل مباشر بالمرجعية التي تحددت ببعديها الوطني والإسلامي معاً.

          إن التقدم نحو المشروع الوطني الإسلامي وتعزيز مفرداته بوصفه المشروع الذي تتبناه حماس وتحاول أدلجة المجتمع الفلسطيني به، يعني أن التجربة تسير في الطريق الصحيح، والعكس بالعكس.

          وهنا أود أن أقدم رصداً ليس نهائياً لما أراه من تقدم إيجابي باتجاه الهدف دون الخوض في التفاصيل. فأقول:

أولاً: لم يكن الواقع السياسي على الأرض في الضفة وغزة منسجماً مع النظام السياسي الفلسطيني ونصوصه المرجعية، فالنظام السياسي دستوري ديمقراطي يحترم التعددية ويشجع على المشاركة، ويفصل بين السلطات، ويعطي للمجلس التشريعي صلاحيات واسعة في الأداء والمراقبة والموازنة والمساءلة، غير أن الوقائع الميدانية على الأرض ومنذ 1996- وحتى 2006 تحكي ابتعاداً مقصوداً عن النظام السياسي والمفاهيم المشار إليها آنفاً، وتحكي روحاً ديكتاتورية متنفذة وفاسدة، وتحكي سرقة حزبية للحكم والمؤسسات وتسخيرها للحزب أو لمصالح شخصية؛ الأمر الذي نتج عنه غياب خطير لمؤسسات السلطة والقانون قبل مشاركة حماس في الانتخابات، ونتج عنه رفض لنتائج الانتخابات وتداول السلطة بعد فوز حماس.

          ومن ثم يمكن القول بأن المشروع الوطني الإسلامي في فلسطين ما كان له أن يتقدم إلى الأمام بدون المشاركة في الانتخابات وبدون تولي مسئولية الحكم، وتطبيق النظام السياسي ونصوص القانون الأساس بشكل جديد وفقاً للقانون.

          وهنا أود أن أفرق بين (الهدف والغاية) وبين (التطبيق والملاحظات عليه)، فإذا كانا قد اتفقنا معاً على الهدف وهو حاجة الشعب الفلسطيني إلى تفعيل النظام السياسي والقانون الأساس للحكم باعتبار أن النظام نفسه هو جزء من مشروع وطني كبير لا يتعارض مع الإسلام، فإنا قد نعذر بعضنا بعضا حين نختلف في حجم ما تحقق من تطبيقات إيجابية لهذا النظام وللقانون في ظل تجربة حماس في السنين الأربع التي خلت، وقد نلتقي مرة أخرى أو نبتعد قليلاً حين نبحث في أسباب الإخفاق في التطبيق هنا أو هناك حين نستحضر تأثيرات الصراع الداخلي، والخذلان الإقليمي، والحصار الإسرائيلي والدولي للتجربة.

          إن قراءة الغرب والأميركيان لتجربة حماس في الحكم تنطلق من قراءتها للمشروع الإسلامي فيما لو تمكن من الحكم، وفيما لو كانت تجربة حماس في فلسطين نموذجاً مشعاً يضيء للآخرين في العالم العربي والإسلامي، لذا فإن إحساس الغرب بخطورة التجربة وتداعياتها المستقبلية دق ناقوس الخطر عندهم وجعلهم يجتمعون- من خلال الرباعية وغيرها- على معاداة هذه التجربة ومحاصرتها، ليطفئوا ما فيها من إشعاع ونور.

تعزيز النظام والقانون

          المهم في هذه النقطة أن التجربة عززت ونصرت فكرة النظام والقانون في النظرية والتطبيق، وفرضت على الساحة التعددية السياسية ومواجهتها باحترام، وجعلت الشراكة السياسية عنواناً كبيراً في الخطاب وفي الحوارات وفي الاتفاقات، ولم تعد السلطة ومؤسسات الحكم والإدارة ميراثاً لفصيل بعينه. وأعادت التجربة للمجلس التشريعي سلطانه واختصاصه ولم يعد رقماً تابعاً للسلطة التنفيذية.

          إن تقييم دور المجلس التشريعي لا ينبغي أن ينطلق من مجموعة الأعمال أو القوانين التي أقرها فحسب- لأننا نعيش ظرفاً خاصاً على مستوى التشريع- وإنما ينبغي أن نقف بتقدير عند المنهج الذي التزم به المجلس في تمثيل الشعب والناخبين وفي تعزيز الفصل بين السلطات، وفي المسائلة والمراقبة التي يمارسها رغم ما أصابه من تعطيل وحصار وإجهاض داخلي لأعماله.

ثانياً: إن حالة الفلتان الأمني التي ضربت الساحات الفلسطينية في غزة والضفة كانت فرعاً على حالة الفلتان السياسي الذي انتهى إلى تنافس داخلي فلسطيني على حيازة رضا إسرائيل وأمريكا، وهي حالة هددت السلم الاجتماعي، واعَتدَتْ على المقاومة، وغدرت بقادتها، وأعطبت الأمل بالتحرير والأمل بالتنمية، وأسلمت القرار في غزة لحفنة من الضباط الأغرار المنحرفين ذاتياً، ممن تمردوا على رئيس الوزراء وعلى رئيس السلطة نفسه، وعلى القانون والنظام.

          هذه الحالة المنحرفة والضارة ما كان يمكن إصلاحها ورفع ضررها من خارج المشاركة السياسية ومن خارج الحكومة لأنها في الأصل تمثل حالة تمرد على الحكومة وعلى الديمقراطية وتحتكم إلى قوة السلاح ورضا الاحتلال ودعمه.

          كيف تم رفع الضرر، وكيف تمت عملية الإصلاح، فهو أمر تعلمونه، فقد نتفق في كيفيات عديدة ونختلف في أخرى لكننا جميعاً نتفق على أهمية إنهاء حالة الفلتان الأمني والسياسي، ونشر الأمن والأمان بين الناس، والاحتكام إلى القانون في الخلافات.

          وبهذا المفهوم نقرأ تجربة حماس وحكومتها في القضاء على حالة الفلتان الأمني، وتوفير نعمة الأمن والأمان للمجتمع باعتبارها العطاء الإيجابي الأكبر لتجربة حماس في الحكم، وباعتبارها كانت مطلباً للجميع بما فيهم الأجانب من رعايا الدول العاملين في غزة.

          ما نتج عن هذه التجربة في قمع الفلتان الأمني لم يكن مفيداً لحماس وحدها ولم يكون مفيداً فقط للمواطن والشعب، بل كان مفيداً أيضاً لحركة فتح التي احتضنت قادة الفلتان، والذي ضربوا الشعب ومصالحه باسمها لفترة طويلة دون أن تقدر على مواجهتهم وتقليم أظافرهم.

          إن جدلية العلاقة بين الإصلاح الأمني والإصلاح السياسي أمر مفروغ منه، فما كان من الممكن إصلاح الوضع السياسي الفلسطيني في تطبيقاته -إن لم يكن في نصوصه ومكوناته- بدون إصلاح الواقع الأمني المنحرف أولاً وهو الأمر الذي تم بجدارة رغم الألم في تجربة حماس في الحكم.

ثالثاً: إنهاء الفساد المالي والإداري، ولا أود الوقوف عند هذا العنوان في تجربة حماس لأن الفساد المالي والإداري الذي ارتبط بالسلطة قبل 2006، وهو فرع من الفساد الأمني والسياسي آنف الذكر وهو الذي جاء بحماس مباشرة إلى الحكم بعد الفوز الكبير في الانتخابات.

          لقد بلغ الفساد المالي والإداري مبلغاً عظيماً في ظل سلطة عرفات ثم محمود عباس، وتضرر بهذا الفساد العباد والبلاد على وجه الإجمال دون أن يتدخل أحدهما بخطة للإصلاح والاستدراك، فكان العقاب أن تنجح حماس في الانتخابات لتقوم بالإصلاح والتغيير والضرب على يد الفساد المالي والإداري.

قمع الفساد

          تجربة حماس في الحكم تقول إنها نجحت في قمع الفساد المالي وتطهير مؤسسات السلطة منه، ونجحت بنسبة أقل في المجال الإداري، ووضعت النظام المالي والنظام الإداري على طريق مستقيم غير أنها دخلت في معاناة نقص المال وشح الوظائف بسبب الحصار، وهي معاناة لها أسبابها السياسية البحتة ولا علاقة لها بالتجربة المالية والإدارية، ويكفي هنا أن نقول إن أربع سنوات من الحكم لم تسجل على مسئول من حماس اختلاساً مالياً، ولم تسجل على الحكومة استدانة خارجية، وسجلت رعاية أفضل بالعمال والمتضررين رغم قلة المال.

رابعاً: العلاقات الإقليمية والدولية، حيث  لم تكن حماس شريكاً معتبراً على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية، وهو المستوى الذي استأثرت به فتح ومنظمة التحرير والسلطة ممثلة بمحمود عباس، حتى كانت الانتخابات ثم الحكومة فإذا بحماس تصبح الشريك المعتبر والرقم الأساس في الساحة الإقليمية والدولية، ولم يعد أحد قادر على أن يقضي أمراً في القضية الفلسطينية دون حماس، فحماس شريك سياسي لفتح وللمنظمة ولا أحد يرغب في النجاح يمكنه تجاوزها.

          قد يرجع البعض هذه المكانة للمقاومة التي خاضتها حماس ونالت بها شعبية كبيرة، وهذا صحيح، ولكن مكانة حماس في العلاقات الإقليمية والدولية تعززت بالفوز في الانتخابات ومن تشكيلها للحكومة وسيطرتها على البرلمان، ومن ثمّ حين وقع الحسم العسكري والانقسام وتحدث الساسة وتحدثت الدول عن الشرعيات لم يكن بالإمكان تجاوز شرعية المجلس التشريعي الذي ترأسه حماس، ولا شرعية حكومة هنية رغم قرار الإقالة.

إن اتفاق مكة المكرمة يقدم نموذجاً إقليمياً لتقدم حماس على مستوى العلاقات الإقليمية، وإن مباحثات الغرب مع حماس وحكومة هنية من خلال مستويات سياسية متوسطة، إضافة للتحولات الإيجابية في الغرب تقدم نموذجاً آخر لتقدم حماس في الساحة الدولية.

          لقد مثلّت حكومة إسماعيل هنية عنواناً متقدماً لحماس في الساحة الإقليمية والدولية للتعامل معه مباشرة، وإن شئت هنا فاقرأ قوافل المساعدات الدولية الشعبية التي تأتي لغزة للتضامن معها ضد الاحتلال والحصار تجدها جميعاً تتخذ من الحكومة عنواناً ومن رئيس الوزراء قيادة مؤتمنة تلتقي معها وتسلمها ما معها من أمانات وتتباحث معها في السياسات، وتعود إلى دولها في الغرب تطالب برفع الحصار عن غزة، ورفع حماس عن قائمة الإرهاب.

          إن تجربة الحكم قفزت بحماس إلى الساحة الدولية والإقليمية وجعلتها طرفاً مقرراً، وليس طرفاً متفرجاً أو متلقياً. حماس اليوم تملك القرار لأنها أيضاً تملك إحباط قرار الآخرين، ومن ثمّ يمكن القول بأنه لا سياسة فلسطينية على المستوى الإقليمي والدولي بدون حماس.  وأنه برغم الحصار السياسي فإن عواصم عديدة مفتوحة أمام حماس للتشاور حول الحلول الممكنة للصراع.

زيف الديمقراطية الغربية

خامساً: الإعلام، حيث قادت الحكومة وأجهزتها الإعلامية والمساندة مظلومية الشعب الفلسطيني قبل حرب الفرقان وبعدها وحققت في هذا المجال نجاحات كبيرة وأحدثت في المجتمعات الأوربية تحولات خطيرة، ويكفي هنا أن نقف عند تقرير غولدستون الذي جرم الاحتلال بجريمتين رئيسيتين: الأولى جرائم حرب، والثانية جرائم ضد الإنسانية، وهي محصلة تقرير من 750 صفحة يفصل انتهاكات الاحتلال والجيش ضد الشعب والمدنيين في غزة في أثناء العدوان الأخير، هذا التقرير من ناحية أخرى هو محصلة لمجموع الوثائق والتقارير التي سلمتها الحكومة من خلال ما أعدته لجنة توثيق للجنة التحقيق.

          لقد فشلت سلطة فتح على طول عمرها في توثيق جرائم الاحتلال في الضفة والقدس وغزة، وقيادة المظلومية الفلسطينية نحو النصر أو التقدم في الساحة الأوربية، وظلت حبيسة المفاوضات والسفارات التي امتهنت التجارة واستغلال النفوذ ولم تلتفت إلى رسالتها الإعلامية والسياسية إلا نادراً.

          إن النصر الذي تحقق في حرب الفرقان الأخيرة لا ينتمي إلى الهزيمة العسكرية ولا إلى إفشال أهداف العدو الرئيسة بقدر ما ينتمي إلى هزيمة دولة إسرائيل إعلامياً وأخلاقياً وقانونياً في الساحات الدولية التي احتكرتها إسرائيل لنفسها على مساحة 60عاماً.

          إن تجربة حماس في الحكم عرّت قبل حرب الفرقان المفهوم الأميركي الغربي للديمقراطية، بعد أن ثبت للقاصي والداني أن ديمقراطية أميركا في الشرق الأوسط تعني فوز الأحزاب الموالية لها، فإن فازت أحزاب تعارض سياستها نسيت أميركا الديمقراطية وقواعدها الأخلاقية والتفت على الفائزين تحاصرهم وتعمل ضدهم لإسقاطهم. إن تجربة حماس الديمقراطية صارت قنبلة في يد خصوم أميركا والغرب يلقونها في وجوههم كلما تكلموا كلاماً معسولاً عن الديمقراطية، لذا فإن نتائج تجربه حماس تجاوزت الساحة الفلسطينية إلى ساحات عربية وإقليمية ودولية.

          وكما كشفت تجربة حماس زيف المفاهيم الديمقراطية التي يطبقها الغرب في الشرق الأوسط، كشفت أيضاً عن حقيقة الأموال والمنح المسيسة التي يقدمها الغرب والأميركيان لفلسطين وغيرها من البلدان، إذ بمجرد فوز حماس وتسلمها الحكم توقفت هذه الدول عن إسناد الحكومة بالمال والمنح باعتبار أن حكومة حماس ترفض خيار المفاوضات والاتفاقات التي قبلت بها منظمة التحرير، لقد أدرك الفلسطينيون والعرب أيضاً أن الأموال الأوربية التي تدفع لميزانية السلطة أو لقادتها هو مال مسيس له أهداف سياسية وأنه لا مجال لاستمراره إذا انحرفت السياسة الفلسطينية عن قواعد السياسة الأميركية والأوربية.

          و إذا كانت تجربه حماس في الحكم قد عانت من خروج مال الدول المانحة ومن الحصار، فإنها نجحت في تعرية مفهوم أوربا وأميركا للمال والمنح المقدمة للسلطة، كما نجحت في تعرية مفهومها للديمقراطية، والأمران يفيدان خيار التحرير وتقرير المصير الذي توقف عنده الصوت الرافض لتجربة المشاركة في السلطة والحكم.

سادساً:الحكومة والحكم، لقد كشف رئيس الوزراء في خطاباته عن واقع مرير في التجربة حين قال "لقد كنا في الحكومة ولم نكن في الحكم"، كان هذا هو الواقع المرّ في الحكومة العاشرة ثم في حكومة الوحدة الوطنية، حيث لم تكن تأتمر المؤسسة الأمنية بأجهزتها المختلفة بأوامر الحكومة، بل كانت تعمل ضدها، ولم تكن الوزارات تستجيب لإرادة الحكومة بل خرجت في مظاهرات ضدها، ولم تكن السفارات في الخارج تستجيب لقرارات وزير الخارجية بل كانت تناكفه وتعمل ضده.

          ظل الأمر كذلك حتى دخلت حماس في دائرة الخلاص والحسم العسكري، فكسرت إحدى حلقات القيد لتواجه الحلقة الأخرى وأعني بها الحصار والانقسام، حيث أصرّ المحاصرون على نزع مفهوم الحكم من يد حماس وحكومة هنية حتى وإن بقيت الحكومة تتولى المسئولية.

          أن تكون في الحكومة وفي الحكم يعني أن تكون صاحب كلمة وقرار مسموع وممثلاُ يمثل الشعب والناخب بصلاحيات حقيقية في المستوى السياسي والإداري والمالي والأمني وخلافه، وهو أمر لم يتيسر لحماس بسهولة لذا فهي تحاول أن تحقق منه ما تستطيع انتزاعاً ومغالبة للأعداء وللخصوم.

          إن تجربه حماس قدمت إضاءات قوية لازمه حول مفهوم الديمقراطية، والانتخابات، وتداول السلطة، وتولى مسئولية الحكم، والعلاقات الإقليمية والدولية، ومفهوم المنح والأموال الغربية، ومفهوم الشراكة والتوافق، والوحدة الوطنية، والمقاومة.. وهي أمور لا تضيئها القرارات الأكاديمية البحتة، وإنما تضيئها وتكشف خباياها المقاربات التطبيقية، ومغالبة العوائق، والإفادة من التحولات الإيجابية.

 

يد تبني ويد تقاوم

          لقد رفعت حركة حماس شعار الشراكة السياسية، (شركاء في الدم شركاء في القرار)، ورفعت شعار الإصلاح والتغيير (يد تبني ويد تقاوم)، وهي شعارات تترجم قضايا سياسية متصادمة ومتعارضة، وتحتاج إلى ساحة خالية من التناقضات والفساد وتتميز بالوعي لتستوعب آليات العمل التي تحملها هذه الشعارات بما يسكنها من تناقض وتصادم.

          لقد تمكنت الحكومة من رعاية المقاومة، وسن التشريعي قانوناً يحمي المقاومة، ولكن الممارسة العملية للمقاومة على الأرض أوقفت عمليات البناء والتطوير لأن الطرف الآخر (إسرائيليا- ودولياً) فرض حصارا على الحكومة وأجهض قدراتها في البناء بحجة أنها تشجع "العنف" أي المقاومة.

          وحين كثفت المقاومة جهودها فرضت عليها إسرائيل حرب رصاص مصهور لتجعل من المقاومة عبئاً ثقيلاً لا على الحكومة فحسب وإنما عليها وعلى الشعب، وهو أمر يعني أن العدو يقول لا بناء ولا شراكة عندما تكون هناك مقاومة.

          ومع ذلك فإن تجربة الحكومة- على الأقل في غزة- تمكنت من تقديم واقع يجمع بين المقاومة والحكم والبناء، ونقضت مفهوم إسرائيل حول نزع السلاح والتجريد منه، وأجبرتها على التعايش مع غزة وهي تمتلك السلاح وترعى المقاومة، وهو أمر يمكن أن نبني عليه في الضفة الغربية لاحقاً غير أننا في حاجة للإقرار العلمي بأنه ثمة تعارض بين الحكم والمقاومة، وبين البناء والمقاومة، وبين الشراكة السياسية والمقاومة، وهذه هي مكونات الشرك الذي نصبته إسرائيل لفتح ولفلسطين في أوسلو، وهو أمر فرض على الشعب وعلى المقاومة فرضا، ويستحيل الخروج منه بضربة قاضية دون توافق على حل السلطة وإلغاء أوسلو، ولأن هذا ما زال متعذرا فإن معادلة النقائض ( البناء والمقاومة) و( الشراكة والمقاومة) تفرض نفسها على حماس وعلى الشعب باعتبارها واقع لا خيارا لتجربة حماس.

الانقسام والمصالحة

وقع فوز حماس بالأغلبية البرلمانية ثم تشكيل الحكومة برئاسة حمساوية موقع الزلزال لا في أوساط قيادات فتح الرافضة فحسب، وإنما في أوساط إسرائيل وأمريكا ودول إقليمية أخرى ، حيث قرأ فيها هؤلاء نجاحاً ما للمشروع الإسلامي ، وفشلاً ما لخيار التفاوض والطريق الذي يسير فيه عباس وفتح .

كانت ردة فعل فتح على الفوز عنيفة ،فلم تساهم في نقل السلطة إلى الفائزين ،ودخلت أجهزتها الأمنية في مواجهة مباشرة مع الحكومة أفضت في النهاية إلى ما عرف بالحسم العسكري والانقسام بين غزة والضفة .

وكان من الطبيعي أن تكون ردة فعل إسرائيل عنيفة أيضا إذ قررت حصار الحكومة ،وإجهاض تجربة حماس في الحكم ، وتحريض الشعب وفتح على هذه التجربة ، بوصفها تجربة ستجلب الدمار وتوقف التنمية وتشوه الحياة الطبيعية اليومية للمواطن .

وكان طبيعياً أن تقف واشنطن والرباعية الدولية تحت قيادتها موقفاً معادياً من حماس ، ومناهضاً لتجربتها في الحكم فتفرض عليها شروطها المعروفة وترعى حصارا دولياً عليها في مستوى السياسة والاقتصاد والمال وتجند له دول الإقليم.

ما يهمنا هنا بشكل خاص هو الانقسام الذي نتج عن حركة الصراع الساخن مع فتح في غزة. حيث ينظر إليه بوصفه حالة معوقة للتحرير والتنمية ، ولا تتمشى مع الوطنية التي تتبناها حماس في جمع الكل الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة.

حالة الانقسام بالنسبة لي حالة شاذة ، أو حالة استثنائية لها أسبابها التي أوجدتها ودفعت بها إلى الواجهة، وهي ليست جزءاً من تجربة سياسية اختيارية لحماس في إدارة الحكم ،فحماس تؤمن بالشراكة وتتبنى حكومة وحدة وطنية ، ولديها استعداد للتنازل للآخرين من أجل حماية المشروع الوطني،غير أن هذه الحالة تحولت إلى طاحونة إعلامية تدار محلياً وإقليمياً بأيد كارهة لحماس تبتغي تشويهها وشيطنتها وإظهارها بالمتمسك بالسلطة على حساب المشروع الوطني الاسلامي الذي تنادي به.

إن حالة الانقسام ثم تعثر المصالحة لا يمكن قذفه في وجه حماس دون فتح ، فالطرفان مسئولان عن هذه الحالة وعن استمرارها ، ولست بصدد التفصيل في الأسباب الظاهرة والباطنة ، ويكفيني أن أقول إننا نعيش حالة استثنائية لها تداعيات سلبية على المشروع الوطني يجدر إنهاؤها وإعادة اللحمة إلى الوطن والمواطن والنظام السياسي .

ومع ذلك فإن حالة الانقسام تعني عملياً أن فلسطين تسير تحت قيادة الخصمين في تطبيق خيارين سياسيين مختلفين ، احدهما في الضفة والأخر في غزة وهو نتاج مؤسف لأن تداعياته لا تصب في مصالح الشعب الفلسطيني العليا .

أما تجربة الحصار وازدياد البطالة وتوقف التنمية فهي النتائج الطبيعية لتواجد حماس في الحكم على حساب المشروع الأمريكي الإسرائيلي القائم على التفاوض وتصفية القضية الفلسطينية من خلال مباحثات غير موزونة بين عباس وإسرائيل ،وليس لحماس أن تختار بين الحصار والاستسلام للشروط الإسرائيلية والأمريكية، وإذا اختارت فإنها تختار المقاومة والصبر على الحصار.

هل يمكن توقع غير ذلك مع فوز حماس بالتشريعي ثم بالحكومة ، لا احسب أنه ثمة توقعات أخرى، وهل يمكن لحماس أن تتنازل عن الحكم لفتح حتى تتجنب والشعب الحصار وتوقف التنمية، لا أحسب أن هذا المقترح مصيب في إطار سياسة التدافع مع الاحتلال من أجل ( التحرير وتقرير المصير ) ، وإن كان مقنعاً بعض الإقناع عند من يبحث عن ظروف معيشية أفضل حتى في ظل الاستيطان وتخلف المشروع الوطني التحرري .   

خلاصة الأمر تقول إن تجربة حماس في الحكم غنية وثرية وتستحق أكثر من دراسة أكاديمية متخصصة. وإن فيها من الإيجابيات للمشروع الوطني ما يستحق بيانه وتفصيله، وإن ما ينسب إليها من سلبيات يستحق الوقوف أمامه للتصحيح والاعتبار، وأحسب أن المشروع الوطني تقدم بمشاركة حماس في الانتخابات ثم في إدارة الحكم ومنافسة فتح وتقديم نموذج آخر، وتعزيز الديمقراطية ومحاسبة المفاوض دستوريا وشعبيا لاسيما بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني.   

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟