سلامة معروف
استعرضنا سابقا ملامح العامين الأولين من عمر الحكومة الوليدة على عدة مستويات داخلية وخارجية، أما العام الثالث 2008م فقد تميز بتكثيف الحكومة لنشاطها وترتيب أوضاعها الداخلية، وتحسين الخدمات المختلفة المقدمة للمواطنين، سيما وقد تحررت من عقبة الفساد الإداري والمالي الذي ورثته ممن سبقوها، وشرعت بتحسين الأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الداخلية قدر المستطاع في ظل الحصار، وكذلك استمرت في تحدي حالة التبعية والرضوخ للغرب التي أراد البعض فرضه عليها، ورفضت رهن إرادة الشعب الفلسطيني بالمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية واعتبرته المدخل للتخلي عن ثوابت القضية، ودعمت المقاومة وحقها المشروع في الدفاع عن الأرض والإنسان.
بدأ ذلك العام بحالة من الرفض الشعبي والجماهيري للحصار الذي أحكم قبضته بعد إقدام الحكومة وحركة حماس –اضطراريا- على خطوة الحسم العسكري، وقد تمثلت هذه الحالة من رفض الحصار في اجتياز للحدود المصرية الفلسطينية، وعبور مئات الآلاف من المواطنين للجانب المصري من الحدود، للتزود بما يحتاجونه من أساسيات العيش ومستلزمات البقاء.
وسعت الحكومة خلال ذلك العام إلى ترتيب أوضاع الوزارات عبر تعيين مئات الموظفين ليحلوا محل من استنكف، هادفين عن قصد أو بدونه إلى إفشال جهود الحكومة وإظهارها بمظهر العاجز أمام شعبها، ونجحت بهذا العدد القليل أن تؤدي مهامها على خير وجه وبشكل يفوق ما كان موجود سابقا.
كما شهد العام محاولات حثيثة لتجاوز أزمة سفر الحجاج بعد أن تواطأت أوقاف رام الله على زوار بيت الله الحرام، وزورت قوائم سفر حجاج قطاع غزة ومنعتهم من الخروج لأداء الفريضة في سابقة لم يقدم عليها حتى الاحتلال طوال السنين الماضية.
وازدادت وتيرة محاولات زرع بذور الفتنة، واشتدت موجة الأحداث التي تحاول خرق القانون وتهديد حالة الأمن والاستقرار التي بات قطاع غزة ينعم بها، فسمعنا عن محاولات اغتيال رئيس الوزراء وشهدنا عدد من التفجيرات المدبرة، والتي كان أشدها على شاطئ بحر غزة حيث أودى بحياة خمسة من خيرة مجاهدي الشعب الفلسطيني وطفلة بريئة، وإصابة العشرات من المواطنين، وهو ما جعل الحكومة تتعامل بحكمة حازمة نجحت في الحد من هذه التصرفات المرفوضة وطنيا، وتمكنت من الكشف عن مدبري هذه القلاقل وتقديمهم إلى المحاكمات العادلة لنيل جزاء ما اقترفوه من جرائم.
ومع اشتداد الحصار وما نتج عنه من أزمة خانقة في الوقود والغاز وغيره من الأمور الأخرى التي مست مختلف شرائح المجتمع، حاولت الحكومة جاهدة التخفيف من وطأة معاناة المواطنين ووضعت السبل للخروج من الأزمة وفق المتيسر، وشرعت بالتصرف في الكميات القليلة المتوفرة بما يسمح باستمرار القطاعات الهامة كالصحة والمياه والخدمات، وأدارت الأزمة التي امتدت لعدة شهور بصبر وحنكة، معتمدة في ذلك على ثقة المواطنين بها وتفهمهم لسبب الحصار، وإدراكهم أن حكومتهم التي انتخبوها تعيش معهم نفس الظروف ويحيا وزرائها ومسئوليها كما تحيا جماهير الشعب، في ظل المعاناة.
وباركت الحكومة ما أجمعت عليه الفصائل من اتفاق للتهدئة مع الاحتلال ودعمته بكل ما تستطيع من جهد، ووفرت شتى السبل لإنجاحه، ورأت فيه فرصة لالتقاط الأنفاس والتفرغ للعمل في الملفات الداخلية، فبرعت في استغلال فترات الهدوء النسبي في إعادة البناء المؤسساتي.
وكما شهدت بداية ذلك العام المحرقة الصهيونية, التي حدثت فصولها على تخوم جبل الكاشف والريس ومنطقة عزبة عبد ربه في شهر فبراير، وأدت لاستشهاد 132 مواطناً وجرح أكثر من 370 في هذه المحرقة التي ارتكبت بحق الأطفال والنساء والشيوخ، عبر القصف والتدمير والتخريب والقتل، أبى الاحتلال إلا أن ينهيه بالدماء في حرب أرادوها لإنهاء "حكم حكومة حماس"، وكانت إرادة الله أن تكون منفذا للتواصل والعبور إلى آفاق لم تكن لتصل إليها، وتفتح صفحة مشرقة جديدة أعادت القضية الفلسطينية إلى بوصلتها الصحيحة كقضية شعب محتل يقاوم محتليه.
خلاصة الأمر بالتالي، أن ذلك العام هو بامتياز عام المخاض العسير للحكومة، الذي انتهى بولادة واقع جديد عنوانه الانفتاح على العالم وتحقيق نجاحات واختراقات سياسية وإعلامية لصالح القضية بعد أن اهتزت صورة الاحتلال أمام الرأي العام العالمي، وفضحت صور ومشاهد المجازر سادية وعنجهية هذا المحتل، فأصبح منبوذا حتى من أقرب مقربيه.

