أربعة أعوام على حكم حماس ... أصل الحكاية
خصوصية الحكومة... وتفعيل القانون بعد سنوات من التعطيل والتهميش
د. حسن محمد أبو حشيش
رئيس المكتب الإعلامي الحكومي
مراعاة الجمهور مطلب علمي ومنهجي عام ، وضرورة سيكولوجية ملحة للنجاح, إلا أنها أكثر
إلحاحاً وأكثر ضرورة في ظل حكومتنا
ودعونا نقرر حقيقة مهمة نسجلها للأجيال , وهي أن الحكومة تتعامل مع تطبيق القانون وإعادة الهيبة الرسمية للشارع بحكمة عالية , وحذر شديد
إن أي حكومة أو هيئة قيادية وإدارية للمؤسسات الأهلية والحكومية تتعامل مع جمهور على تماس مباشر بقراراتها وبسياساتها ... وبالقدر الذي يتوافق القرار مع مصلحة الجمهور بالقدر الذي يجد قبول وحماسة والعكس صحيح , والإدارة الحكيمة هي التي تعمل جاهدة على تلبية احتياجات الجمهور أو إقناعه بما تريد. وهذا موضوع مهم جداً، وخطير بدرجة كبيرة، ويرتبط بشكل مباشر بنجاح وفشل السياسات وآليات تطبيقها.
وبالنسبة لجمهور الحكومة وكغيرها من المؤسسات ينقسم إلى قسمين :
الأول: الجمهور الداخلي الذي يتكون من جميع موظفي الجهاز الوظيفي الحكومي .
الثاني: الجمهور الخارجي وهو كافة المواطنين بمختلف الميول والتوجهات والآمال والآلام .
وهو يختلف في مزاجه وطبيعته حيث منه العنيد الذي لا يستسلم بسهولة للقرار , ومنه الجمهور الحساس العاطفي سهل التأثير عليه , ومنه غير المبالي لا يرفض كالعنيد ولا يتأثر كالحساس بل يهمش القرارات . و أي رسالة نوجهها للجمهور والمتلقي نحن نريد منهم أحد الاحتمالات والنتائج الآتية :
1- تدعيم وتعزيز المواقف والسلوكيات الموجودة .
2- تغيير نسبي للمواقف والسلوكيات الموجودة .
3- نسف وتدمير كافة المواقف والسلوكيات الموجودة وتبني مواقف جديدة .
وبغض النظر عن نوع الجمهور من حيث العلاقة بالحكومة، ومن حيث مزاجه فإن موقف الجمهور من قرارات الحكومة إمّا يكون مسانداً وقابلاً لها، أو رافضاً ومشككاً بها، أو لا يُعيرها الاهتمام الكافي، وبالتالي لا يحدد موقفه منها لاعتبارات عديدة لا مجال لذكرها هنا .
خصوصية الحكومة بقيادة حماس
إذا كانت مراعاة الجمهور مطلب علمي ومنهجي عام ، وضرورة سيكولوجية ملحة للنجاح, إلا أنها أكثر
إلحاحاً وأكثر ضرورة في ظل حكومتنا لعدة اعتبارات :
1- أنها ورثت إرثاً ثقيلاً من الترهل والخلل والفساد منذ الحكومة الأولى مع بداية تأسيس السلطة .
2- أنها تمثل حركة إسلامية نظيفة اليد وتسعى للاستمرار في ذلك .
3- أنها تعبر عن حكومة مقاومة وجهاد بالمفهوم الشامل والمتكامل للجهاد.
4- أنها تعمل وسط كلاليب الإفشال والمناكفات والحصار والعدوان .
5- أنها رفعت شعار التغيير والإصلاح، وتوقعات الجماهير في هذا السياق كبيرة جدا وتفوق الواقع.
6- حداثة تجربة الحكم، وقلة الخبرة في العمل الحكومي، وخاصة في ظل استنكاف غالبية الموظفين القدامى الذين اكتسبوا خبرة تراكمية عبر سنوات وظيفتهم .وأُنفق عليهم من ميزانية الشعب الفلسطيني .
7- تعرض الحكومة إلى حملة تشويه إعلامية عالمية مبرمجة ومستمرة تجعلها تحت العدسات , وتسليط الضوء بشكل سلبي , وحالة من التركيز .
تشخيص الواقع
إذن نحن أمام منهج علمي في التعامل مع الرأي العام , كما أننا أمام حكومة ذات خصوصية فريدة , وفي العلاقة بين الأمرين نتج واقعا نشخصه بالتالي:
"هناك إنجازات كبيرة للحكومة على مدار السنوات الأربع على كل الصُعد أبرزها : الأمن، والنظام، والنظافة، ووقف الفساد المالي والإداري في المؤسسة الحكومية، وتفعيل القانون , وإعادة الهيبة للقضاء وتوفير الرواتب لحوالي 30 ألف موظف، وتوفير الإغاثة الطارئة للعديد من الشرائح المختلفة ... وغيرها الكثير من الإنجازات.
هناك أمور أكبر من قُدرة الحكومة ولم يلمسها المواطن , مثل إعادة الأعمار , وفتح المعابر بسبب الحصار والمؤامرة .
هناك قرارات وإجراءات في إطار تطبيق القانون وحماية الحقوق، وضبط الأمن والأمان لم يتعود عليها المواطن، بسبب الإهمال والتهميش المقصود من قبل الحكومات السابقة , وهي تُحقق فائدة لغالبية المواطنين, ويشتكي منها فريق من المعنيين بشكل مباشر وذلك لتعطيل القانون لسنوات طويلة مثل: ترخيص السيارات، ومواقف السيارات , وترخيص الدراجات لنارية , وتفعيل النظام الضريبي..
خلال هذا التطبيق يحدث خللا معينا نتيجة الخطأ ، أو التقدير غير الدقيق , أو الوقت غير المناسب .
في ظل هذا التعقيد، وهذا الصراع بين المبادئ ووعورة الواقع , وصعوبة التطبيق , ترتسم العلاقة بين الرأي العام والحكومة، وتتنقل بين الشد والرخو , فالحكومة حسب قراءة الواقع بين متناقضين، أو متصارعين، أو متنافرين:
"
الأول: أهمية الإصلاح وتطبيق القانون وترتيب أمور البلد والجمهور، وإعادة الانضباط والهيبة للمؤسسة الحكومية وللموظف الحكومي وخاصة رجل الأمن .
الثاني: آثار ذلك على شرائح الرأي العام، والوقت، والظرف، والتربص بكل ما يصدر عن الحكومة.وعليه تصبح الحكومة بين أمرين:
إمّا الاستمرار في سياستها مع وجود آثار مترتبة على التطبيق، أو ترك الأمر دون تدخل مهما كانت النتائج كارثية على النسيج الاجتماعي وعلى هيبة الحكومة , وضياع الحقوق وفقدان الأمن والنظام .
وأعتقد أن الحكومة تُشكل لإدارة شئون الناس، و"إرضاء الناس غاية لا تُدرك " ولا يُوجد قرار حكومي يجتمع عليه الكل، ويحقق للجميع ما يريد، لذا الواقع والقانون والعُرف العالمي في مفهوم الحكومات يقول: أنه من المُستحيل أن تتخلى الحكومة عن مهامها ودورها ... ولكن في حالتنا علينا البحث عن تقليل الآثار السلبية لقرارات الحكومة .
ودعونا نقرر حقيقة مهمة نسجلها للأجيال , وهي أن الحكومة تتعامل مع تطبيق القانون وإعادة الهيبة الرسمية للشارع بحكمة عالية , وحذر شديد , حيث كان الجهاز الحكومي جزءا من تعطيل القانون قبل إنهاء الحكومة التمرد الأمني في منتصف عام 2007م , وجزءا من حالة استلاب الحقوق , وتفكك النسيج الاجتماعي ... وبعد هذا التاريخ تشدد الحصار , وتحلت الحكومة بمسئولية عالية جدا في التعامل مع المواطن, وانشغلت بكل قوتها وبكل نفوذها في تعزيز صمود الشعب , والتخفيف عنه , حيث أبدعت في الصمود والصبر وإدارة الأزمات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بفعل المؤامرة عليه .ونسجل هنا ما أسلفنا ذكره في الحلقة السابقة أن الحكومة نجحت بدرجة كبيرة رغم كل ما تعرضت له من معوقات ومحاولات الإفشال والإسقاط وبطرق مختلفة , وإبداعات الإرادات تمكنت من كسر الحصار من خلال توفير الرواتب لثلاثين ألف موظف عامل , ووفرت السلع الأساسية , وتمكنت بعد هذا الحصار اللعين والحرمان الكبير من إعادة الحياة للشارع الفلسطيني المُنهك , وعجلة الاقتصاد والتجارة والبيع والشراء عادت بنسب متفاوتة وأشكال عديدة , فلما اطمأنت الحكومة على أحوال شرائح كبيرة من المواطنين ... حينها أرادت أن تحفظ الحق العام والحق الخاص , وتطبق القانون , وتعزز هيبة المؤسسة الرسمية التي سحقتها السياسات القديمة المبرمجة , ففعلت النظام الضريبي على الشرائح المقتدرة ,وقامت بالتدرج في ذلك , وأعادت تفعيل القرارات الحكومية التي تنظم العلاقة مع الشركات الكبيرة والبنوك التي كانت جزءا من أزمة البلد وترفض التعامل مع الحكومة بحجة أنها تتعامل مع سلطة رام الله فقط , كما فعلت دور البلديات المعطلة , من حيث تقديمها الخدمات للجمهور , ومن حيث حقوقها على المواطنين , كذلك تنظيم المرور ومواقف سيارات النقل وترتيب أحوال السائقين ... هذا الجهد الذي هو مرتبط بالحقوق والواجبات والنظام , وجد مناخا مؤيدا ومشجعا , ولاقى بعض الاعتراضات والتذمر , تعالجه الحكومة بروية وحكمة وإنصاف .
هذا الجو والمناخ والتقدم في إدارة أحوال الناس لم يرق للمتربصين بالمشروع الذي تتبناه الحكومة , ولم يُعجب الفئات المُتنفذة التي تسعى لإسقاط الحكومة منذ إنشائها ,ولم يعجب الاحتلال ... فحركوا آليات الدعاية السوداء, والإشاعات الكاذبة , فبتنا ننام ونستيقظ يوميا على قصة مفبركة وكاذبة حول إجراءات الحكومة والبلديات , وخلطوا الأوراق بين الواقع والخيال , وبدءوا يروجون لقصص كذب ومستحيلة ولا تنطلي على طفل ولا مخبول من قبيل :الحكومة تفرض رسوم على كراتين البيض ,وعلى مولدات الكهرباء الخاصة بالمنازل والمحلات ,وأن الحكومة تجمع إتاوات من المواطنين لتجمع رواتب موظفيها ...وغيرها الكثير، ويقف وراء ترويج هذه الحبكات الخيالية جهاز دعائي كبير يُنفق عليه أموال طائلة , ومكون من فضائيات وكتاب ومواقع إلكترونية وصحف ومجلات ... والأخطر من ذلك أن هناك جيش كبير يُعد بعشرات الآلاف من الموظفين المستنكفين تأتي لهم أوامر بترديد هذه الإشاعات , هؤلاء يتقاضون رواتبهم من حكومة فتح وهم جالسين في بيوتهم ووقتهم كله فراغ , فهم يقضون أوقاتهم في الطرقات والأسواق وسائقي أجرة وفي الفنادق والكوفي شوب ويعملون في السمسرة وتجارة الأنفاق ... فهم يشكلون القوة الكبيرة والعمود الفقري والأساس في تنفيذ الدعاية السوداء وترديد الإشاعات, يراقبون الواقع ويبنون على الحوادث أسباب مغايرة وينسجون عليها قصص خيالية تماما كالأفلام الخيالية والعمل الدرامي المبني على الحبكات اللازمة لإنجاح الفيلم أو المسلسل...كل ذلك من أجل تأديب قطاع غزة , وتشديد الحصار على أبنائه , الذين لفظوا الفلتان , وأحبطوا المؤامرة , وأفشلوا العدوان , وتصدوا للحرب والحصار...قد ينجحون جولة لضخامة إمكانياتهم ,ولكن حبل الكذب أقصر مما يتصورون , والاستخفاف بالرأي العام لا يمكن أن يدوم ,فالفشل الذي يلاحقهم سيتحقق ,وستكمل الحكومة سياستها في الحفاظ على الحقوق الشخصية للمواطن والجمعية للمؤسسات والحقوق الحكومية والرسمية , وستُعيد النظام والهيبة المفقودة بفعل المُخططات السابقة , وسيثبت المواطن كعادته للجميع وعيه بحقوقه وواجباته , وحقوق الآخرين الرسمية وغير الرسمية التي عليه .ولنعلم أن البلاد والحفاظ على المنظومة المجتمعية فوق الجميع .

