د. محمد إبراهيم المدهون
رئيس ديوان الموظفين العام
في وقت يستمر فيه الحصار على قطاع غزة لدينا جملة من الأخبار الواردة من هناك واللافتة للنظر, ولعل خبر عقد مؤتمر الإصلاح والتطوير الإداري الثاني بحثاً عن الجودة وارتقاءً بالأداء الإداري في القطاع العام الفلسطيني تحت عنوان "نحو تعزيز جودة الأداء الإداري في القطاع العام الفلسطيني" والذي نظمه ديوان الموظفين العام الفلسطيني عنواناً لافتاً من حيث إبرازه جانباً هاماً واستراتيجياً من مشروع الإصلاح والتغيير الذي تبنته حماس في برنامجها الانتخابي عام 2006. ومراراً أكد السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني خلال فترة التقلبات الحرجة منذ العام 2006 بأن "حماس كانت في الحكومة ولم تكن في الحكم", حيث أنه لم تُمنح حماس الفرصة للحكم حيث تم رفض التعاطي أمريكياً وإسرائيلياً وفتحاوياً وعربياً بشكل نسبي مع نتائج الانتخابات الفلسطينية؟!
البحث عن جودة الأداء الإداري في فلسطين يبدو شكل من أشكال الترف في وقت تبدو فيه إدارة الشأن الفلسطيني في غزة كنوع من إدارة الأزمات المتلاحقة, لكن والحق يقال إن حالة الاستقرار الإداري والوظيفي ودفع الرواتب الشهرية بشكل منتظم طوال السنوات الماضية أخرج الحالة الإدارية الفلسطينية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة التطوير والتجويد. ولعل خطوة عقد هذا المؤتمر وأخبار أخرى كثيرة تُنبئ عن رغبة حمساوية حقيقية في الإسهام بشيء ذي بال كجزء من برنامجها الانتخابي في الإصلاح والتغيير. ولعله من نافلة القول كذلك أن الإصلاح الإداري خطوة رائدة متقدمة نحو مشروع الإصلاح الحضاري لإقامة الدولة المدنية الوطنية ذات المرجعية الإسلامية " إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " [هود: 88]. خاصة وأن الشعب الفلسطيني في أمس الحاجة إلى بناء المؤسسات وتقديم غزة (المنطقة الوحيدة المحررة حقاً من أرض فلسطين) نموذجاً لفلسطين المستقبل. وأهمية هذه الأرض (غزة) المتواضعة في مساحتها الجغرافيا يكمن في عظم تأثيرها في ميدان الفعل السياسي والحراك العالمي خاصة في ظل حصار جائر وملاحقة متنوعة الوسائل والأطياف رغبة في استئصال هذا النموذج. وهنا لا ينبغي خلط الأوراق بالحديث عن إصلاح من منظور إسرائيلي أمريكي كما كان سائداً في مرحلة التخلص من الراحل (عرفات)، أو ما يمكن تسميته وفق (نتانياهو–فياض) اليوم بالسلام الاقتصادي، أو ما يعتقد البعض أنه ممكن ببناء دولة المؤسسات قبل التحرر من براثن الاحتلال، لأن ذلك حقاً وضع للعربة أمام الحصان.
والإصلاح الإداري ينبغي أن يؤدي دوراً فاعلاً في التغيير الجذري في الثقافة الفلسطينية الإدارية بما يضمن الشفافية والمحاسبة والانضباط وتحديد المسئوليات والتحفيز، علاوة على أنه يؤدي إلى تخفيف الهدر وتوفير الزمن وخفض التكلفة وارتفاع الجودة. وبالتأكيد كل ذلك يؤدي في المحصلة النهائية إلى عملية الإصلاح الشامل في كافة قطاعات العمل سواء الإصلاح الاجتماعي أو الاقتصادي أو الخدمي أو الأمني وخلافه. وتختلف مساحات التأثير في عملية الإصلاح الشامل، وبالتأكيد الإصلاح الإداري كممارسة يجب أن يسبقه القرار السياسي بتبني عملية الإصلاح الإداري كاستراتيجية مركزية وهذا ما يحقق برنامج الإصلاح والتغيير واقعاً ملموساً.
والأسس الاستراتيجية للإصلاح الإداري في السلطة الوطنية الفلسطينية تُبني على أساس من تحديد الاتجاه الاستراتيجي، على قاعدة أن السلطة لجميع مواطنيها، وأن الوظيفة حق للجميع. ومن هنا فإن من الضروري اعتماد خطة استراتيجية وطنية للإصلاح الإداري وأساس ذلك إصلاح الإنسان (وهي المهمة الأصعب) " إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً " [النساء:146]. وصناعة الإداري الكفء، النزيه، العالم، المبادر، مهمة استراتيجية ليس للإصلاح وحسب بل ولمشروع التحرير كذلك. وهذا المسار ليس كما يراه "دايتون" في "بناء جيل فلسطيني جديد" يؤمن بالتنسيق الأمني ويساهم في القتل والاعتقال والملاحقة للفلسطينيين، وإنما جيل يؤمن بالله ورسوله أولاً وينتمي لفلسطين والقدس ثانياً، ومن ثم يُقدم الخدمة النوعية المميزة لأبناء شعبه كجزء أصيل من بناءه الذاتي ومكونه الوطني.
على قاعدة الإصلاح الإداري في بناء الإنسان تم تأسيس مشروع المعهد الوطني للإدارة العامة والقيادة كحاضنة للكفاءات والقيادات الحكومية الفلسطينية، و حبذا أن يتم اعتماد المعهد مرجعية تدريبية لجميع وزارات ومؤسسات السلطة وتشكيل مجلس إدارة من كافة الوزارات واستقطاب هيئة استشارية من خبراء، وذلك لتوحيد مسار التدريب في السلطة الوطنية على قاعدة "الإنسان أولاً". ومن أهم الأسس في عملية الإصلاح الإداري استقطاب الكفاءات الفلسطينية على أساس من الشفافية والنزاهة، وهذا بالتأكيد يساهم في استقطاب كفاءات نوعية للعمل في السلطة الفلسطينية ضمن سياسة توظيف واضحة ومبرمجة وراقية وفق أحدث المدارس الإدارية العلمية. والأهم من استقطاب الكفاءات ضرورة اعتماد سياسة منهجية واضحة في استثمار الموارد البشرية في القطاع العام الفلسطيني، ومن هنا فإن من الضروري إعادة دراسة حسن توزيع الكادر البشري في وزارات ومؤسسات السلطة الفلسطينية ومدى الاستثمار المتحقق وإعادة التوزيع للكادر وفق نتائج تقييم الأداء السنوي، وهنا من الجدير بالاهتمام دراسة توقف عملية التوظيف برهة من الزمن تسمح بإعادة التقييم وتفعيل عملية استثمار المورد البشري بشكل كامل.
الحلقة الثانية
الإصلاح الإداري بحاجة إلى ملاحقة تشريعية لتوفير البيئة القانونية والتشريعية لمتابعة ومواكبة التطورات العالمية والقانونية بما يوفر قانوناً حيّاً، ومن هنا فإن عملية الإصلاح الإداري تنطلق من تعديل قانون الخدمة المدنية الفلسطيني، ولأجل ذلك فإن جملة من المقترحات بتعديلات في قانون الخدمة المدنية واللوائح التنفيذية المُنظمة تم اقتراحها, اعتماد هذه التعديلات سيكون خطوة جادًّة على طريق الإصلاح الإداري. ويترتب على الإصلاح القانوني كأساس للإصلاح الإداري خطة الإصلاح الهيكلي وما يترتب على ذلك من دمج أو تعديل أو إضافة أو حذف للهيكليات الوزارية والمؤسسية الحكومية، وما ينبثق عن ذلك من إعداد لوصف وظيفي دقيق ومواصفات وظيفية وشخصية محددة تساهم في المتابعة والتقييم للإنجاز، وكذلك تساهم في دقة الاختيار للكفاءات. وفي هذا السياق, من الجدير بالاهتمام إجراء دراسة شاملة للهيكليات الوزارية والمؤسسية في القطاع العام وإعادة رسم هذه الهيكليات على أساس من تقليل الهدر وتوظيف أمثل للطاقات.
ولعل القدرة على توظيف تكنولوجيا المعلومات سمة رئيسية للتميز وسرعة الإنجاز، وكذلك لإجراء عملية إصلاح إداري فاعل علاوة على نشر المعلومات الهامة للمواطنين بشكل مُيسر، وكذلك إشراك الموظفين والمواطنين في صناعة القرار. وقد كان من السياسات الإدارية الفاعلة في ديوان الموظفين العام الفلسطيني اعتماد سياسة (ديوان بلا ورق) بحيث يمكن القول أن كافة الخطوات والأعمال الإدارية تتم بشكل إلكتروني سلس وانسيابي، وهذا بالتأكيد مساهمة رائدة في مشروع "الحكومة الإلكترونية" الذي سيكون بوابة عريضة لعملية إصلاح إداري واعد وناهض. واعتماد هذه الخطوات في عملية الإصلاح الإداري بحاجة إلى مركز وطني للمعلومات يسهم في توفير المعلومات الحكومية في كافة الميادين لمتخذي القرارات خطوة تساهم في إصلاح إداري علمي ومنهجي متقدم وفاعل. ولعله من المفيد في هذا السياق تفعيل مركز الاستعلامات الفلسطيني واستثمار مركز الإحصاء الفلسطيني من أجل بناء مركز المعلومات الوطني على قواعد متجذرة في الواقع الفلسطيني الإداري المتجدد.
والتحقق من مستوى الجودة الإدارية مطلب هام للتحقق من نتيجة عملية الإصلاح الإداري محل العمل ( إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، ولعلَّ من المفيد في هذا السياق إعلان ديوان الموظفين العام عام 2010 "عام جودة الأداء الإداري", ولتحقيق ذلك أسس ديوان الموظفين العام "مركز جودة الأداء والبحث العلمي". وربما تأكيد الجودة وديمومة الحفاظ عليها بحاجة إلى اعتماد رؤية شاملة تُحقق عملية تبسيط للإجراءات دون إخلال بالجودة والنتائج المرجوة، مع أهمية تفعيل نظام الحوافز " لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ " [فاطر: 30] ، وذلك لتحقيق أكبر قدر من الواقعية التي تطلق العمل الإبداعي الفعال من عقال القيود والروتين. وهذا بالتأكيد بحاجة إلى اعتماد خيار ومنهجية التفويض الفعال كاستراتيجية عمل وعدم الارتهان إلى مركزية وجمود العمل الذي يعطل المسار ويوقف زحف الإصلاح الإداري.
لعلَّ من نافلة القول أن تحقيق هذه الاستراتيجيات في عملية الإصلاح الإداري بحاجة إلى رفع مستوى التنسيق والتعاون داخل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وأن يعمل الجميع على قلب رجل واحد، " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [المائدة : 2]. مع مراعاة لمكونات وخصوصيات البيئة الفلسطينية وحال المتغيرات السياسية وعدم الاستقرار في تحقيق هذا الطموح، ولعله من المفيد جداً إشراك أكبر عدد ممكن من الخبرات وأصحاب الرأي في عملية الإصلاح، وهذه سياسة ناضجة واعدة تقوم على أساس الانفتاح على الخبراء وأهل الرأي والاختصاص من مختلف قطاعات العمل الفلسطيني.
هذا العمل الرائد في الإصلاح الإداري بحاجة إلى توثيق حتى يتم تثبيت حجر الأساس لمؤسسة متوارثة بآفاق ورؤى واضحة ومحددة غير محكومة للأشخاص والأهواء وإنما تقيدها القوانين ويحكمها العمل المؤسسي الرصين. " فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ " [فصلت : 12].
ما زال مشروع الإصلاح الإداري كجزء أصيل من مشروع الإصلاح والتغيير وعلى أساس من شعار "يد تبني ويد تقاوم" في بداية الطريق ويجب أن يتم تحديد الاتجاه والأهداف وكيفية تحقيق الإصلاح الإداري؟ والإصلاح الإداري مهمة وطنية جليلة تستحق الكثير من الفعل والقليل من الكلام والتنظير، ولا يمكن احتواء محاورها إلا بالمزيد من العلم الأصيل والعمل المخلص الجاد المتقد.

