بقلم: رولا سرحان
من أين نمسك بطرف الكتابة، وماذا نكتب عن تجليات الغطرسة بأبشع صورها، وكيف لنا أن نكتب عندما يقف القلم مندهشاً في حضرة الانحناء؟ وهل ستسمح لنا الأوراق أصلاً أن نلوثها بهراء كلامٍ حفظناه لشدة ما رددناه؟
الحرية الحبيسة في كل منّا، والمحاصرة في كل مكان حولنا، صارت خجلة لشدة ما خذلناها، فهروبنا الغبي نحو كل مُقَـيِّـد لانعتاق، ولو جزئي، من الإحساس بالحرية غير المشروطة، صار ملازماً لنا، كما لو كانت الحرية ذنباً نحاول إراحة ضمائرنا منها. الحرية المشوهة التي نعلقها على مشجب أرواحنا لنقنع أنفسنا بأننا لسنا في سجن كبير، تضحك منّا.
مرمرة، سفينة كانت تحمل الحرية على متنها، سعت لخوض البحر، لتعطينا وأخوتنا في القطاع شيئاً منها، محاوِلَة أن تكون نقطة تحول في مسيرة حصار لا يبدو أفقٌ قريب لنهايته. ُروّعنا لأن الغدر الإسرائيلي لم يطلنا هذه المرة، بل طال أبرياء آخرين، ذنبهم أنهم حاولوا أن يعيدوا لذهننا أننا لسنا بشراً عاديين، بل نحن أشباه بشر، أشباه أحياء، أشباه أشياء على قيد الحياة.
شعورنا المتزايد بلاإنسانية، واستمرارنا في التعامل مع كل ما يخصنا بلا مبالاة، بدأ يجرّنا نحو هاوية الانحطاط القيمي والانحلال والتفسخ المجتمعي.
فعندما تشعر وكأنك في النمسا، بينما أنت في رام الله المحاصرة جنوباً بحاجز قلنديا، وشمالاً بمنطقة بغيضة سُميت ذات يوم تفاوضي بالمنطقة (ج)، فهنالك أمرٌ مقلقٌ غير مفهوم.
وعندما ترى أن ما جرى بالقرب من شواطئ غزة، أمرٌ عادي يتكرر بنمطية مكررة مملة، وتستمر في تناول "شاورما" تركية الأصل والمنشأ، على رائحة جسد نائب تركي استشهد قبل سويعات قليلة في الطرف الآخر من وطنك، فهذا أمرٌ مفجع.
وإذا لم نحاول استغلال ما حدث ضد أسطول الحرية، لنأخذ قراراً دولياً برفع الحصار عن غزة، فنحن أغبياء سياسياً كعادتنا.
وإذا ما تحدثنا بصوت المعلق السياسي، والمحلل الاستراتيجي، وكأن الأمر لا يعنينا، فليس من المنتظر أن نكون من أصحاب المواقف.
وإذا ما نمت، مع ذلك كله، ليلاً هنيئاً قرير العين، فهذا أمرٌ معيب.

