أ . د يوسف رزقة
المستشار السياسي
لا أحد في فلسطين أو في العالم ينكر وفاة ياسر عرفات الغامضة, ثمة إجماع على أن وفاته لم تكن طبيعية, وأن الموت بالسم هو أرجح الاحتمالات, وأن هذا النوع من السم لا أصل له في البلاد الفلسطينية التي لا تعرف السموم ولا تنتجها, السم جاء من إسرائيل, ولأنه من مواصفات قاتلة خاصة فهو لم يأتي من السوق التجاري, وإنما من مؤسسات خاصة لها علاقة بالشاباك أو الموساد، الشاباك يمتلك أنواع مميزة من السم القاتل, والسم هو أحد أسلحته التي يلجأ إليها للتخلص من الخصوم حين يستحيل عليه استعمال السلاح.
السم جاء من تل أبيب إلى رام الله , كيف جاء السم ؟ ومن حمله إلى المقاطعة ؟ وكيف أدخل إلى طعام الرئيس عرفات أو إلى ملابسه؟!
الإجابة على هذه الأسئلة معقدة. لكن العملية تقوم على تواطؤ مقربين لعرفات مع من أعدوا السم ومن حملوه ومن أدخلوه إلى المقاطعة. هذا التواطؤ لا يكشفه إلا لجنة تحقيق جادة ومحايدة وصاحبة صلاحيات.
في القانون والقضاء يبحثون عادة عن وقوع الجريمة عن المستفيد الأول منها والثاني والثالث وربما العاشر على أنهم متهمون محتملون. في جريمة مقتل عرفات مستفيدون بعضهم ينتمي إلى تل أبيب وبعضهم ينتمي إلى المقاطعة. تحديد من ينتمي إلى تل أبيب لا خلاف عليه سواء شارون أو الشاباك الخلاف الدائر في الساحة الفلسطينية حول من ينتمي إلى المقاطعة، وهو شخص أو أشخاص بإمكانهم الوصول بسهولة إلى الرئيس عرفات في مكان محاصرته والتحدث إليه والاحتكاك به؟ من هو هذا الشخص أو من هم هؤلاء الأشخاص؟! التحقيق يمتلك الإجابة الشافية؟!
لماذا لم تجر السلطة الفلسطينية تحقيقاً جاداً؟ لماذا أغلقت الملف؟! لماذا حافظت على سرية المعلومات التي تضمنها الملف الطبي الفرنسي للوفاه؟! لماذا تغمض عينها عن الاتهامات التي تناولتها وسائل الإعلام قبل أن يخرج القدومي أمين سر حركة فتح باتهاماته المحددة ضد أشخاص محددين؟! أيضاً هذه أسئلة حائرة ظلت بلا إجابة لسنوات، القدومي اليوم أخذته الشجاعة التي لجم عقالها لسنوات واتجه نحو الأسئلة ونحو الإجابات وادعى أنه يمتلك وثائق اتهام وإدانة للمستفيدين من موت الرئيس عرفات؟!
لماذا صمت القدومي؟ ولماذا نطق؟ هذه قضية أخرى لا تلغي حقيقة أن الرئيس عرفات قتل غدراً بالسم وأن الوفاة لم تكن طبيعية، وأن أقل الواجبات الوطنية للسلطة والأقارب هو البحث عن المجرم. إذا لم تقم لجنة تحقيق ذات صلاحيات فإن اتهامات القدومي ستكبر وتكبر وتصير هي الحقيقة الوحيدة التي يمتلكها الرأي العام. الحديث عن خرق القدومي ليس إجابة منطقية على الاتهام أو الجريمة؟ والقول بأن الخلاف حول المؤتمر السادس ومكان انعقاده ونتائجه ليس إجابة مقبولة عن ملف الجريمة.
نحن أمام شخصية كبيرة ومؤسسة لحركة فتح وشخصية بيدها أمانة سر حركة فتح بالانتخاب تتهم ومن خلال شاشات التلفزة شخصيات محددة ذات مناصب محددة في السلطة وفي حركة فتح. والجواب على هذه الاتهامات لا يكون بالنفي، أو اتهام القدومي بالخرف، أو تعليق عمل فضائية الجزيرة، أو البقاء في حالة صمت وغفوه.
اتهامات القدومي نقلت مشكلة مقتل عرفات من دائرة فتح والسلطة إلى الدائرة الوطنية العامة، لأن عرفات حين قتل كان رئيس الشعب الفلسطيني كله، وعليه فإن من حق الشعب الإطلاع على الحقيقة ومعرفة الجاني المجرم، فإذا أهملت السلطة حقوق الشعب فعلى قادة الفصائل والأمناء العامين تشكيل لجنة تحقيق محايدة تبحث عن الحقيقة. ولنتذكر دائماً أن الجرائم لا تموت بالصمت والتقادم، فما ضاع حق وراءه مطالب.
