اضطرت دولة الاحتلال في العام 2005م إلى الانسحاب الكامل من مغتصبات قطاع غزة، والبالغ عددها (22) مغتصبة، بفضل المقاومة، وكانت المغتصبات المذكورة قد تربعت على ما مساحته 47 ألف دونم، هي أخصب أراضي القطاع، وذلك لملاصقتها البحر، وقد عمد المغتصبون ومنذ العام 1967م، وحتى الساعة الأخيرة للانسحاب إلى استغلال هذه المساحات الواسعة في الزراعة، وتحديدًا زراعة أنواع معينة من الخضروات، والورود التي كانت معدة للتصدير الخارجي.
وحينما حانت ساعة الصفر للانسحاب من القطاع ترك المغتصبون هذه المغتصبات -في الغالب- على حالها، وتحديدًا الدفيئات الزراعية التي بلغت يوم الانسحاب 4 آلاف دفيئة، ولكن في الأيام التالية للانسحاب تعرضت ما يقرب من 1400 دفيئة للسرقة من قبل بعض المتنفذين، وذلك لعجز السلطة الوطنية عن اتخاذ التدابير الكافية لحماية هذه المحررات من عبث العابثين، باعتبارها ملك عام للشعب الفلسطيني، واستمرت عملية النهب للمحررات إلى ما بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في العام 2006م، وتشكيل الحكومة العاشرة والحادية عشر، لانشغال الأخيرتين في معالجة ملف الفلتان الأمني، الذي هدف إلى حرف الحكومة عن أداء وتحقيق برنامجها الانتخابي الذي وعدت به ناخبيها.
ولكن ومنذ عامين وبعد استقرار الأوضاع الأمنية في القطاع بدأت الإدارة العامة للمحررات والتي تشكلت في العام 2007م من وزارات المالية، الزراعة، الاقتصاد الوطني، التخطيط، العدل، في وضع الخطط اللازمة، وتوفير الإمكانات المادية وفق الحدود المتاحة، للاستفادة من المحررات في توفير ما يحتاجه المواطن الفلسطيني من مواد غذائية، بالإضافة إلى توفير مئات فرص العمل للعمال العاطلين عن العمل، وقد شرعت الإدارة المذكورة في باكورة أعمالها بزراعة ما يقرب من ألفي دونم بالخضروات التي يحتاجها السوق المحلي، وقد نجحت التجربة الأولى في تحقيق الاكتفاء الذاتي لحاجة السوق المحلي من البصل، والثوم، والبطيخ، والشمام، التي كانت تستورد حتى وقت قريب من دولة الاحتلال، وهناك مشاريع أخرى تهدف إلى الاكتفاء الذاتي من الفواكه، حيث تمت زراعة مئات الدونمات من: المانجو، والعنب، والتفاح، والنخيل، التي بدأ إنتاجها يغطي نسبة عالية من حاجة السوق المحلي، وفي السياق ذاته تم تأسيس العديد من المشاريع الإنتاجية، لإنتاج ما يحتاجه المواطنون من اللحوم الحمراء، والبيضاء، والأسماك، والبيض، التي توفرت بالأسواق في الفترة الأخيرة، وبأسعار أقل مما كانت عليه قبل الحصار.
ويسعد الزائر اليوم إلى المحررات باستصلاح مئات الدونمات الزراعية من أراضيها، التي تمت بفضل التعاون المشترك بين الحكومة الفلسطينية والجمعيات غير الحكومية لخدمة المواطن، وتبقى مزرعة بيروحاء للنخيل في محافظة خانيونس التي تشرف عليها جمعية الرحمة الكويتية شاهدًا حيًا على التعاون البناء ما بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني- بعيدًا عن الابتزاز- وذلك لمواجهة الآثار السلبية للحصار (الإسرائيلي) المفروض على القطاع منذ أربعة سنوات، حيث تعد هذه المزرعة أكبر مزرعة للنخيل في الشرق الأوسط، ويتوقع القائمون على المشروع أن يصل عدد أشجار النخيل فيها بعد سبعة سنوات من الآن إلى مليون نخلة.
وتعكس السواعد الفتية التي تعمل في هذه المحررات الصورة الناصعة للإنسان الفلسطيني الذي يقدس الأرض وزراعتها، ويسعى إلى أكل لقمة عيشه بعرق جبينه، بدلا من الانتظار ساعات طوال على أبواب المؤسسات الخيرية لتلقي الفتات من مساعداتها، وقد عمدت الأخيرة في بعض الأحيان إلى تنفيذ برامج عمل فيها امتهان لكرامة الإنسان الفلسطيني، كمشاريع تنظيف الطرق التي أضطر بعض الخريجين وتحت وطأة الحاجة، إلى حمل المكانس لتنظيف جوانب الطرقات من النفايات، وعليه يمكن القول أن الاستثمار الجيد للمحررات الذي يقوم على التخطيط السليم، من شأنه توفير ما يحتاجه المواطن الفلسطيني من طعام، وبأسعار معقولة، تسهم في تعزيز عوامل صموده أمام بطش الحصار الظالم، الذي يستهدف انتزاع ما تبقى له من حقوق على أرضه، وتوفر أيضا فرصة عمل كريمة يستطيع بها المواطن أن يعيش حياة كريمة.

