لكي لا يلتبس الأمر على القارئ ويعتقد أن في العنوان خطأ مطبعيا أو أن كاتبه لا يحسن الإملاء فاستبدل كاف "الكهرباء" بقاف "القهرباء"، وزاد حرف الألف ..أقول: عزيزي القارئ لا ..لست ضعيفا في اللغة العربية لأخطئ مثل هذا الخطأ، كما أعفي الآخرين من تهمة الخطأ في الطباعة، ولكن الكلمة كتبت بقصد ودراية، فبعد أن حرّف دهاقنة السياسة وعباقرة النضال كلمة الكهرباء بما لها من مدلول ايجابي يحمل معاني الإشراق والنور وانبعاث الأمل في النفوس، لتصبح الكلمة بمدلولها لدى أبناء قطاع غزة ملازمة لمعاني القهر والإذلال وكسر الإرادة، عندها لابد أن تتغير قواميس اللغة ومعاجم الكلمات لتعبر عن المعنى الحقيقي للكلمات وتوضح المرادف المقصود للمصطلحات.
لذا وجدتني مضطرا لاستحداث هذا المصطلح "القهراباء" الذي أنوي أن أحصل على براءة الاختراع الخاصة به وأسجلها باسم جميع سكان قطاع غزة، كماركة مسجلة لا ينازعهم فيها أحد من سكان المعمورة، بعد أن عانوا عبر سنوات الحصار العديدة من غياب شبه تام للكهرباء، وتعمُد أطراف عدة -متلاقية المصالح- إبقاء غزة في ظلام تام تتلمس فيه الضوء الذي يفترض أن يأتي في نهاية النفق المعتم، وربما حجتهم في هذا الأمر هو التدليل على صدق ادعائهم ومقصدهم بأن في غزة "إمارة ظلامية".
ولكي لا يلتبس الأمر مرة أخرى على القارئ ويظن أنني أحاول تبرئة الاحتلال من جريمته ومسئوليته وإلصاق التهمة بمجرمين آخرين؛ دعونا نستعرض معا أسباب أزمة الكهرباء منذ بدايتها، حيث يرجعها البعض إلى قصف محطة التوليد الوحيدة وما صاحب ذلك من أزمة عاشتها كل نواحي الحياة في غزة على مدى شهور عديدة ولم تنجح كل المحاولات والجهود اللاحقة للعودة بهذه المحطة إلى ما كانت عليه، أما البعض الآخر فيرجع الأزمة للزيادة الطبيعية المضطردة في الاستهلاك وعجز الجهات القائمة على توفير الطاقة الكهربائية عن مواكبة تلك الزيادة، فيما يسترسل آخرون في تحميل وزر انقطاع الكهرباء للمواطنين المتخلفين عن دفع الفاتورة والذين يسرقون الخدمة، في حين يرجعها آخرون للحكومة في غزة وتعنتها في التعامل مع مالية رام الله، وآخرون يلقون باللوم على مصر لرفضها زيادة الكمية المصدرة منها لقطاع غزة .
لهؤلاء وأولئك، نقول: نعم كل هذه الأطروحات لها علاقة وارتباط وثيق بأزمة الكهرباء ولكنها لا تعدو كونها تداعيات ونتائج لأزمة حقيقية سبقت الأزمة الحالية ومثيلاتها من الأزمات المتلاحقة منذ وقوع الانقسام بين شقي الوطن، أما الأزمة التي نقصد فهي أزمة الارتهان للمحتل وإصرار السلطة منذ قدومها على ترسيخ التبعية للاحتلال في كل شئوننا الحياتية، وما اتفاقية باريس الاقتصادية وتكبيلها الاقتصاد الفلسطيني بقيود الاقتصاد الإسرائيلي إلا دليل على سياسة ممنهجة ومدروسة هدفت منها السلطة، أو لنقل بعض المتنفذين فيها إلى استمرار ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال، ووأد أي محاولة لفرض استقلالية القرار الفلسطيني حتى لو كان تجاريا أو اقتصاديا أو خدماتيا، وعلى مدار سنوات عمر السلطة لم تقم بخطوة واحدة تضمن استقلالية قطاع الكهرباء رغم أهميته البالغة كقطاع خدماتي لا غنى عنه، حتى عندما تم إنشاء محطة التوليد عبر مشروع تجاري خاص ، لم تسع السلطة للاعتماد على السولار الاصطناعي المصري رغم أنه الأقل تكلفة اقتصاديا والأجدى سياسيا من نظيره "الإسرائيلي"، لذلك ومن حيث المبدأ تتحمل السلطة بالأساس أزمة الكهرباء في قطاع غزة ويقع عليها مسئولية إنهائها وإنهاء كافة التداعيات الناجمة عن هذه السياسة.
أما الأزمة الحالية فالكل بات يعلم أن فاتورة السولار الصناعي الذي يغذي محطة التوليد تُدفع من قبل الاتحاد الأوروبي مباشرة إلى حكومة فياض في رام الله منذ شهر نوفمبر الماضي، بعد أن كان الاتحاد الأوروبي يدفعها مباشرة إلى حساب الشركة الإسرائيلية الموردة لهذا السولار، ولكن بدلا من أن تفعل حكومة فياض ذلك ..تتعمد التلكؤ في الدفع للشركة ، حتى بعد أن استجابت الحكومة في غزه لطلبها بضرورة تحويل ما تجبيه شركة التوزيع من أموال إلى حساب حكومة رام الله.
والسؤال هو، لماذا تفعل حكومة رام الله ذلك مادام الاتحاد الأوروبي هو من يتحمل تكلفة هذا السولار؟! أما الجواب فيكمن في النصف الأول من اختراعنا "القهراباء" فهي تتعمد القيام بهذا الأمر للضغط على أبناء قطاع غزة واستخدام الحاجة للطاقة الكهربائية لابتزازهم والتنغيص عليهم وقهرهم وفرض إرادتها التي تتوافق وإرادة الاحتلال في تركيع غزة وإخضاعها لشروط الطاعة الرباعية.
وهنا يبرز سؤال آخر، هل سيخضع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة لهذا القهر؟! والجواب يأتي مباشرة في الشق الثاني من الكلمة التي ابتكرتها غزة وهي اباء، فغزة التي لم تهن لمحتل عبر التاريخ رغم ما حيك لها من مؤامرات كبيرة، لا يمكن أن ترهن إراداتها نظير بصيص من النور حتى لو كانت في أمس الحاجة إليه، وليعلم الجميع أن غزة وشعبها أضحوا في عزة وإباء، يستحيل معها أن تعود رهينة للاحتلال أو سفرائه، ولذلك نقول لغزة هنيئا لك "القهراباء" التي ميزت الخبيث من الطيب.

