لفت انتباهي وأنا أتصفح أحد المواقع الإخبارية المستقلة جدا، خبرا بعنوان: السلطة قررت رفع سعر السجائر، ويتحدث الخبر عن قرار حكومة رام الله برفع سعر السجائر المحلية عبر زيادة نسبة الرسوم المحصلة عليها إلى حوالي 9،50%، والإعلان عن تعسيرة جديدة ستحدد لاحقا للمستورد، ليصبح سعر علبة السجائر المحلية 13 شيقل، إلى هنا ويبدو الخبر اعتياديا، ويمكن أن يحدث في أي بقعة من العالم أن ترفع دولة سعر أي سلعة لديها، ولكن ما لفت انتباهي في الخبر هو عدة أمور:
أولها:أن الخبر نفسه الذي تناولته الوكالة المستقلة بشيء من التحرير الايجابي، باعتبار أن هدفه محاربة ظاهرة التدخين المتفشية في المجتمع الفلسطيني والقضاء عليها، لم يشر إلى هذا الهدف بالمطلق حيث أكد من نقل على لسانه الخبر وهو مدير عام الجمارك والمكوس بسلطة رام الله، على أن الزيادة تأتي لتحقيق هدفين اثنين، فيقول:" أننا نسعى بالتعاون مع الضابطة الجمركية إلى وقف ظاهرة تخزين السجائر من قبل عدد من التجار لاستغلال المواطنين"، مؤكدا أنهم يحاربون هذه الظاهرة- أي تخزين السجائر- قدر المستطاع ، وهو الهدف الأول.
وهنا قفز إلى ذهني الحملة السلبية المسعورة التي شنتها العديد من وسائل الإعلام ومن بينها الوكالة ناشرة الخبر ضد الحكومة في قطاع غزة عندما أعلنت تفعيل الجباية على جزء من رسوم السجائر ضمن خطة عمل بدأتها سابقا بمنع التدخين في الأماكن العامة، في مسعى من الحكومة لمحاربة ظاهرة التدخين سيما بين صغار السن، وكيف تداعت هذه الوسائل لتنظيم حملة لتشويه صورة الحكومة ونشر الأكاذيب واختلاق الأباطيل حول الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها الحكومة، وتصوير الأمر وكأن ما ستحصله من السجائر سيحل الأزمة المالية -المفتعلة- على حساب المدخنين، فكيف يليق بوسيلة إعلام تدعي المهنية والاستقلالية أن تجعل من نفسها بوقا فجا يعارض وبشدة بالأمس رغم المبرر الأخلاقي القوي الذي ساقته الحكومة في غزة وأثبتت صدقيتها بإجراءاتها السابقة، ورغم علمها الجيد أن ما تحصله الحكومة في غزة لا يغطي حتى عشر الفاتورة الشهرية المترتبة عليها، بينما ينطلق هذا البوق اليوم مادحا ومهللا لقرار، أكد متخذوه أن آخر ما يمكن أن يفكروا فيه هو مصلحة المواطن.
أما الهدف الثاني لرفع أسعار السجائر، فقد حدده مدير عام الجمارك والمكوس في سياق حديثه، بزيادة دخل السلطة السنوي من السجائر، موضحا أنها تجبي سنويا ما بين 800 إلى 900 مليون شيقل، ومن المتوقع زيادة هذا المبلغ بعد عملية الرفع الحالية.
والأمر هنا بحاجة لمقارنة بين ما تجبيه سلطة رام الله سنويا من مئات للملايين تصب في وزارة ماليتها التي يتحكم بها فياض، صاحب الفضل في قطع رواتب ومخصصات آلاف الأسر في قطاع غزة ومنها أسر شهداء وأسرى وموظفين، لا لشيء إلا أنهم التزموا بشرعية العمل لصالح وطنهم وخدمة شعبهم، وبين ما تحصله الحكومة هنا من أموال قليلة توجه كلها في مشاريع البنية التحتية التي يشاهد أثرها المواطن في قطاع غزة من خلال الطرق التي تعبد والأسواق التي تفتتح في ظل الحصار.
أما ثاني الأمور التي تلفت الانتباه في الخبر، هو ما ورد فيه من أن هذه الزيادة هي الرابعة التي تفرضها السلطة رسميا للمستهلك على سعر السجائر خلال عامين ، وكان آخرها قبل سبعة أشهر فقط.
وهنا لابد للمرء أن يضع مئات علامات الاستفهام حول الدور الذي تقوم به العديد من المؤسسات التي تعرف بالمجتمع المدني ومنها مؤسسات حقوق الإنسان، التي انتفضت دفاعا عن حقوق المدخنين في غزة، وعدم مشروعية قرار تفعيل الجباية، وشاركت في الحملة الإعلامية التي شنت على الحكومة آنذاك، فأين هي هذه المؤسسات اليوم من قرار السلطة في رام الله؟!، بل أين هي من القرارات الثلاث السابقة خلال هذه المدة القصيرة؟، أم أن مدخني الضفة ليس لهم حقوق؟!
وثالث الأمور الملفتة في الخبر هو الالتزام الفوري من قبل الشركات المحلية المنتجة للسجائر، عبر إعلانها التسعيرة الجديدة وتعرفتها الصادرة من دائرة الجمارك والمكوس بوزارة المالية في رام الله، دونما اعتراض أو محاولات لوقف القرار.
وسبب استغرابي هو إصرار الكثير من الشركات أو المؤسسات العاملة في قطاع غزة على الاعتراض ورفض الكثير من الإجراءات التي تتخذها الحكومة، رغم علمها اليقيني أن هدفها الصالح العام، أو أنها قرارات سابقة تعمل الحكومة على إعادة تفعيلها لاعتبارات مختلفة، أو أنها تنفيذا لقرارات قضائية كما حدث مع البنك الإسلامي مؤخرا، أم أن سياسة الكيل بمكيالين الإسرائيلية، وحمى الازدواجية في التعامل قد أصابت البعض في قطاع غزة.
ربما يظن البعض أنني أغالي فيما أذهب إليه، ولكنني أعرض في هذا الموضوع البسيط، لبعض الملامح التي تظهر التفريق في النظرة بين ما يحدث في غزة وما يحدث في الضفة، فإذا كان هذا هو الحال عندما يتعلق الأمر بالسجائر فلك عزيزي القارئ أن تتخيل كيف يكون حينما يكون الأمر أكبر.

