شهدت المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية في الآونة الأخيرة جولات وجولات ، وتم تقديم أوراق ومبادرات ، وكانت هناك وجهات نظر متعددة واتهامات ، وعقدت لقاءات ومؤتمرات وتوجت بتصريحات ! دون نتائج طبعا أو إبرام معاهدات !! ولا زالت المصالحة تترنح وسط مطالبات ؟
هل أصبحت المصالحة حلم صعب المنال ؟ هل ما زالت الطريق مسدودة في وجه إبرام مصالحة حقيقية ؟ هل ما زلنا ننشد الانقسام المميت ؟ ولا ننظر إلى المستقبل ؟ علام إذن الفتور والتشاؤم والتقهقر والتراجع في ملف من أهم الملفات في حياة الإنسان البسيط في فلسطين المقسمة والمشتتة منذ زمن بعيد ، هل نسينا همنا الأول آلا وهو الاحتلال ، أم إننا علقنا كافة مشاكلنا على شماعة الاحتلال ؟
هل لا زلنا نكابر ؟ ونصرح بالتكفير مرة ؟ والتخوين مرة أخرى ؟ وتحميل المسئوليات لبعضنا البعض ، وكيل الاتهامات والمزاودات سرا وعلانية ، والضرب تحت الحزام ، وشن الحملات المعادية والمضللة !!
إذا أردنا أن نتقدم في المصالحة ، فعلى كافة الإطراف النزول عن الشجرة ، وإبرام صفقة ومعاهدة قادرة على الصمود في وجه كل البراكين والعواصف .
لا بد من وقفة جادة مع أنفسنا ، قبل أن نقف يوما ونقول أن المصالحة أصبحت حلم ، ولكن لا يمكن تحقيقه ، إننا نحذر من مغبة الاستمرار في الانقسام الذي يهدد حياتنا الاجتماعية ، ويشل تفكيرنا ويمنعنا من التقدم نحو تحقيق مشروعنا النهضوي التحرري من دنس الاحتلال .
ولنتذكر أن تجارب الشعوب من قبل كانت أصعب بكثير من تجربتنا الوليدة ، ومن ثم تم التصالح والتصافح بينهما وتم نسيان كافة الموضوعات الصعبة وأصبحت ذكرى ، ناهيك على أننا شعب واحد ، ولون واحد ، وعرق واحد ، ودين واحد الخ .........
فالناظر إلى الأمس القريب كان يرى أزمة تقسيم يوغسلافيا ، وما آلت إليه الأمور من منازعات على إقليم كوسوفو ومجزرة سربنتشا ، والحرب الطاحنة بين الصرب والبوسنة والهرسك ، لقد أدموا بعضهم البعض كشعب يوغسلافي تربطه علاقات متينة ، وأصبح منهم الجزار والسفاح ، وقتلوا بعضهم البعض حتى أنهم كانوا يقطعون أصابع الأطفال ويضعوها في أكاليل ويعلقونها على رقبة المقاتل في غلو ومباهاة ، وفي النتيجة الأخيرة عندما أدركوا لغة العقل ترفعوا على كل آلام وانتهت مشاكلهم ومجازرهم ضد بعضهم إلى الأبد ، ولم نسمع من جديد شن هجوم هنا أو هناك بدافع الانتقام أو غيره .
من خلال ذلك .. لا بد من طي صفحة الماضي إلى الأبد ، وفتح صفحة جديدة بيضاء ، خالية من الحقد والكراهية والضغينة ، ومد جسور من الثقة بين الطرفين ، وتدشين جيل جديد قادر على المصالحة ، ومد الايادى البيضاء الناعمة والمصافحة ، والالتقاء على طاولة الحوار ، ولا يتأتى ذلك إلا بتحكيم لغة العقل والجدية في الطرح وتناول الموضوعات بعيدا عن الحزبية المقيتة والنظرة الضيقة التي تقتل صاحبها .
فمزيدا من التفاؤل ، ومزيدا من تكريس كافة الجهود الطيبة لإنجاح المصالحة ، ونقول للموتورين الذين يصطادون في المياه العكرة ، ويدقوا الأسافين لاستمرار الانقسام ، موتو بغيظكم !.

