إذا نجحت خطة "أفيغدور ليبرمان" لفصل غزة عن فلسطين المحتلة، فستكون الكارثة، لأن الخطة لا تقتصر على الفصل الجغرافي والسياسي لغزة وتخلي الكيان الصهيوني عن مسؤولياته القانونية تجاهها فحسب، وإنما تهدف هذه الخطة إلى حصول الكيان الصهيوني من المجتمع الدولي على صيغة قانونية لوضع قطاع غزة تمكنه من ردعها وشنقها في أي لحظة.
لم تذكر صحيفة "يدعوت أحرنوت" – التي نشرت خبر خطة "ليبرمان" – تفاصيل الوضع القانوني الدولي لغزة الذي يسعى "ليبرمان" لتحقيقه من خلال كسب التأييد الأوروبي وتأييد المجتمع الدولي لخطته. وبغض النظر عن هذه التفاصيل، فإن المقصود هو تمكين الكيان الصهيوني من التعامل مع غزة على أنها كيان مستقل يلتزم بالقانون الدولي وبالمواثيق والاتفاقيات الدولية مثله في ذلك مثل أي دولة معترف بها. وهذا يمنح الكيان الصهيوني فرصة أكبر لردع غزة ومنع المقاومة من شن عملياتها ضده، لأن تلك العمليات ستصبح وفق القانون الدولي اعتداء على دولة مجاورة – أي الكيان الصهيوني – وليس عملية مقاومة ضد الاحتلال، ويكون تبعاً لذلك من حق الكيان الصهيوني الرد على الاعتداء بالطريقة التي يريدها ودون حرج من الرأي العام العالمي، ودون اكتراث بمدى الدمار الذي سيلحقه بغزة ومواطنيها. وبعبارة أخرى، يصبح العدوان الصهيوني في هذا الحالة دفاعاً مشروعاً عن النفس وفق القانون الدولي ومن وجهة نظر المجتمع الدولي.
وقد تضمنت خطة الفصل – كما توقعت "يدعوت أحرنوت" – طلب "ليبرمان" من الأوروبيين مساعدة حركة حماس، التي ستتولى مسؤولية إدارة قطاع غزة بشكل كامل، في بناء ثلاثة مشاريع كبيرة في غزة، وهي: محطة توليد كهرباء، ومعمل لتحلية مياه البحر، ومنشأة لتطهير مياه الصرف الصحي. كما ورد في الخطة الحديث عن إقامة ممر مائي يربط بين غزة ودول العالم والسماح للسفن بعد تفتيشها في قبرص بإفراغ حمولتها في ميناء غزة. وهذا يعني السماح بإقامة ميناء في غزة بتمويل تركي وأوروبي وعربي. وهذا ليس اعترافاً من الكيان الصهيوني بشرعية حكومة حماس في غزة، كما يروج بعض الكتّاب، وليس حرصاً من "ليبرمان" على توفير ما تحتاجه غزة من كهرباء ومياه وميناء، وإنما هو بمثابة تعليق حبل المشنقة لغزة، وردعها عن مقاومة العدو الصهيوني. فإذا أقدمت المقاومة في غزة على شن عملية ضد العدو الصهيوني في الأراضي المحتلة المحاذية لقطاع غزة، فإن الانتقام لا يتطلب من الكيان الصهيوني سوى طلعة لعدة طائرات حربية، ولمدة لا تتجاوز ربع ساعة، لشن غاراتها على محطة توليد الكهرباء ومحطة تحلية مياه البحر والميناء، فتصبح أثراً بعد عين، وتغرق غزة في البحر – كما يتمنى الصهاينة – دون أن يتعرض كيانهم لانتقاد الرأي العام العالمي.
وهذا التهديد وحده كاف لردع غزة، وهذا هو الهدف الحقيقي من خطة الفصل. ومن العبث أن يظن بعض الناس أن حماس تستطيع تجيير هذه الخطة لصالح الشعب الفلسطيني، ومقارنة خطة الفصل التي طرحها "ليبرمان" بانسحاب "شارون" من غزة. فالأهداف السياسية لخطة الفصل أخطر بكثير من أهداف الانسحاب من غزة، إذ تهدف خطة الفصل إلى الانتقال بحركة حماس من مرحلة المقاومة إلى مرحلة وسط قبل نقلها إلى مرحلة الانخراط في مفاوضات بعد نبذ المقاومة، كما حدث مع الحزب الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا. والوضع القانوني الدولي لغزة وفقاً لخطة الفصل هي خطوة خطيرة نحو نقل حركة حماس إلى مسرح السياسة الدولية ومرحلة المفاوضات بلا مقاومة. وهذا ما نادى به الصحفي "سكوت أتران"، وهو عالم في علوم الإنسان ومن الخبراء البارزين في شؤون المنظمات الإرهابية، والصحفي "روبرت أكسيلرود"، وهو من العلماء السياسيين البارزين والخبير في ديناميكية المفاوضات، عبر مقال لهما نشرته قبل أيام صحيفة "ذي نيويورك تايمز". وكما حدث أيضاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي انتقلت من مرحلة الدعوة إلى إزالة الكيان الصهيوني إلى مرحلة الشريك المفضل له والمشارك له في الحرب على المقاومة.
أنا شخصياً أستبعد نهائياً أن تنجح فكرة تغيير حماس بالطريقة التي يتوقعها هذان الصحفيان، فحماس حركة إسلامية ملتزمة بثوابت الشعب الفلسطيني. وإذا كانت م.ت.ف. قد وقعت في شرك العدو الصهيوني والأمريكي بعد سلسلة من الهزائم والضربات والفشل التي تعرضت لها، فإن حركة حماس لا يمكن أن تقع في هذا الشرك بعد الانتصارات التي حققتها، وبعد اجتيازها كل مؤامرات ترويضها وإخضاعها لقواعد التسوية الاستسلامية ومحاولة فرض شروط الرباعية الدولية عليها. ولكن هذا لا يمنع من الغوص في أعماق عقلية قادة العدو الصهيوني، وعقلية من ينظّرون له وللإدارة الأمريكية، والتعرف بدقة على تفاصيل مخططاتهم ومؤامراتهم التي تستهدف وجود الشعب الفلسطيني وقضيته.
والمطلوب من حماس أن تستمر في رفض خطة الفصل وتسعى لمواجهتها بكل الوسائل، وأن تستعد لما هو أسوأ من عدوان صهيوني غشوم، وأن تجد حلولاً مناسبة لأزمة الكهرباء والماء حتى لا تقع غزة تحت رحمة "ليبرمان" وقادة العدو الصهيوني الآخرين.
20/7/2010

