بقلم: جدعون ليفي
(المضمون: تتبجح اسرائيل بضبط النفس في مواجهتها لمتظاهري الجولان في حين قتلت 23 منهم من غير ان يطلقوا رصاصة واحدة فأي ضبط للنفس هذا؟ - المصدر).
نظام الرئيس بشار الاسد يقتل عشرات المتظاهرين السوريين غير المسلحين كل يوم؛ وعندنا يفرقعون بالألسن، ويُزعزَعون ويقولون انه "يذبح أبناء شعبه". قتل الجيش الاسرائيلي 23 متظاهرا سوريا غير مسلح في يوم واحد؛ ويفخرون عندنا ويقولون ان الجيش الاسرائيلي "سلك بضبط للنفس".
لا يتشابه متظاهرو حماة ومتظاهرو الجولان بوسائلهم غير القاتلة فقط بل بأهدافهم ايضا: فهؤلاء واولئك يحاولون تهديد النظام القائم كي يُغيروه. ويتشابه رد النظامين على التهديد لهما تشابها عجيبا باطلاق النار الحية على المتظاهرين. سيُبينون عندنا في الحال ان الجيش الاسرائيلي يفعل كل شيء كي لا يقتل. أعداد القتلى أكبر كثيرا في الحقيقة في سوريا لكن الطريقة متشابهة – استعمال النار الحية على مدنيين غير مسلحين – ونتائجها الفتاكة قد تتساوى والعياذ بالله اذا استمر متظاهرو الجولان على العصيان. لا يرى الرأي العام في اسرائيل في ذلك أي مشكلة بطبيعة الامر.
انشأت اسرائيل لنفسها الى جانب الاسلاك الشائكة في الجولان جدار حماية آخر أكثر صمودا، لتحمي نفسها ووعيها خاصة من متظاهري الحدود. بنينا لأنفسنا بواسطة هذا الجدار الوهمي عالما خاصا بنا، عالم أشواق قلوبنا وأكذوبتنا الذاتية والتضليل والايهام. انهم في حماة محاربو حرية؛ وهم في الجولان مرتزقة مظاهرات، وجمهور محرض وارهابيون. اجتياز الحدود في الجولان تهديد لسيادة اسرائيل وإن لم تعترف أي دولة في العالم بهذه السيادة في الجولان.
إن متظاهري الجولان شباب محرضون، دون أي وعي سياسي في حين ان رفاقهم في مظاهرات سوريا شباب مثقفون ذوو وعي ديمقراطي، وناس ثورة الفيس بوك والتويتر المستنيرة. وهم في الجولان يقودهم الاسد في حافلات الى موتهم الذي يتحملون تبعته: فقد وجد الجيش الاسرائيلي طريقة للبرهان على ان أكثر ضحاياهم قُتلوا أو أُصيبوا على أيديهم هم أنفسهم. إن التفكير في أن هؤلاء الشباب ذوي التصميم في الجولان ربما يُغررون بأنفسهم صدورا عن نفس الوعي السياسي والديمقراطي حقا الذي يشابه ذاك الذي يبعث رفاقهم في مدن التمرد السورية لا يخطر ألبتة ببالنا.
انهم عندنا شاغبون وهم هناك متظاهرون. والامر هناك نضال غير عنيف يستحق التقدير في حين يُعد النضال نفسه على حدودنا عنيفا والقائمون به يستحقون الموت.
أبدعنا لأنفسنا عالما: فالاسد يُخرج هؤلاء الشباب الفلسطينيين لصرف الانتباه، لكن الحقيقة ان انتباهنا لا يقل عن ذلك انصرافا – فهو مصروف عن أهداف اولئك الشباب الذين لسنا مستعدين حتى للانصات اليهم. هل فكر شخص ما هنا في بدعة "جولات الجذور" الاسرائيلية، إذ يرون الفلسطيني السوري الشاب الذي نجح في التسلل الى يافا لزيارة بيت آبائه؟ ربما يحسن ان نحاول تذكير القاريء الاسرائيلي بأن الحديث عن أبناء لاجئين، هرب فريق من آبائهم أو طُردوا من اسرائيل في 1948 من غير ان يُسمح لهم بالعودة، وطُرد بعضهم أو هربوا من الجولان في 1967 من غير ان يعودوا ايضا. وربما يحل ان نُذكر بأن احتلال الجولان في 1967 قد نبع بقدر كبير من مبادرة اسرائيلية. وربما يحل ان نُذكر بأن أبناء هؤلاء اللاجئين يحيون منذ ثلاثة أجيال في ظروف غير انسانية في مخيماتهم بذنب من النظام السوري حقا، لكن اسرائيل ايضا تتحمل مسؤولية عن مصيرهم.
وربما يحل ان نقول ايضا ان ثمة قدرا من الشرعية في نضالهم، كما في نضال اخوتهم للنظام السوري بالضبط: فهؤلاء واولئك يريدون حياة حرية وكرامة ولا يملكها هؤلاء ولا اولئك. في العالم العربي الجديد الذي أخذ يصاغ إزاء أعيننا، سيضطرون في وقت ما الى الانصات لهؤلاء الشباب، في سوريا وفي اسرائيل ايضا، والى الاستجابة الى بعض مطالبهم ولا سيما اذا داوموا على نضالهم غير المسلح. لكننا سادرون في غيّنا. سندفن رؤوسنا في الرمل، ونبني سورا وسورا، ونُسمي النهار ليلا والليل نهارا، وسنحدث أنفسنا الى الأبد أننا ضابطون لأنفسنا – نقتل 23 شابا بنار حية في حين لم يطلقوا رصاصة واحدة، ونتهمهم وقادتهم بموتهم – والأساس ان أيدينا نظيفة وآذاننا مسدودة وعيوننا مغمضة.
المصدر : ياقا نيوز 8/6/2011

