معاريف - بقلم: يرون ديكل
(المضمون: لو كان الحديث يدور عن حرب أو عن حملة عسكرية، لكان منذ الان طرح مطلب تشكيل لجنة تحقيق. الحظ هو أن الحديث يدور عن معركة سياسية لا يوجد فيها قتلى في الارواح. حتى الان).
اسرائيل تدخل في صراع سياسي الخسارة فيه معروفة مسبقا. لو كانت هذه حربا لكانت هناك مطالبات بلجنة تحقيق. البرقية التي نقلها سفير اسرائيل في الامم المتحدة رون بروشاور الى مقرر السياسة لم تترك مكانا للخيال. فقد قرر السفير الجديد والنشيط بان اسرائيل لن تتمكن من منع الخطوة في الجمعية العمومية للامم المتحدة في نهاية الاشهر لاقامة الدولة الفلسطينية. بروشاور، الدبلوماسي المجرب والخبير، طرح على اصحاب القرار ليس اشارة تحذير وحسب بل ونصب امامهم مرآة المشهد الذي يطل منها لا يسر الخاطر.
في صالح رئيس الوزراء نتنياهو يمكن القول انه حاول. فقد أقلع لكل عاصمة اوروبية ممكنة لوقف الانجرار. وقفز من مكتب الى مكتب، اجرى مكالمات هاتفية، بعث برقيات، اطلق مبعوثين ولم يرفع يديه في السعي لاقناع نظرائه لاحباط الخطوة الفلسطينية. في بعض الدول جنى ثمارا: ايطاليا مثلا، وهكذا المانيا. ولكن الميزان الاجمالي الذي اجراه السفير في الامم المتحدة افاد بانه رغم الجهود، فان الطريق الى اقامة دولة فلسطينية خلافا لرأي اسرائيل ممهدة.
من ناحية اسرائيل، يدور الحديث عن خطوة يمكن أن تكون لها آثار دراماتيكية، سواء من حيث مكانتها في الاسرة الدولية أم على الارض. سيناريو المواجهة العنيفة مع الفلسطينيين يدرس منذ الان لدى محافل الامن.
عندما تدخل اسرائيل في حرب من المتوقع من اصحاب القرار أن يدرسوا كل السيناريوهات، وان يديروا في رؤوسهم كل الاحتمالات الممكنة، وان يطرحوا على طاولة اتخاذ القرارات كل امكانية – حتى الاسوأ بينها – من أجل منع الحرب او ضمان النصر فيها. الخطوة الفلسطينية احادية الجانب مثلها كمثل اعلان حرب سياسية. فالحديث يدور عن محاولة لفرض نظام سياسي جديد على اسرائيل. والخطوة تمت باسناد الاسرة الدولية التي تعبت من النزاع، ولم تحصل من اسرائيل ولا على طرف خيط سياسي يسمح لها بان تلقي بالمبادرة الفلسطينية من على كل الدرج.
رغم أن المحفل السياسي الاعلى – الثمانية – أجرى غير قليل من المداولات في مسألة ايلول، تبدو سياسة اسرائيل متلعثمة، مشوشة وعديمة الخط الموحد. عمليا، يبدو وكأن الحكومة ليس لها سياسة على الاطلاق: فهل عندما يعلن السفير الاسرائيلي في الامم المتحدة مايكل أورن في مجلة امريكية بان نتيجة الخطوة الفلسطينية هي الغاء كل الاتفاقات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية يفعل ذلك بناء على رأي حكومة اسرائيل؟ هل قرر أحد ما في ذلك؟ هل عندما يجمد وزير المالية شتاينتس ولا ينقلها الى السلطة الفلسطينية يكون هذا تم بناء على رأي الوزيرين ايهود باراك او دان مريدور العضوين في الثمانية؟ هل اتخذ في ذلك أي قرار على الاطلاق؟
هل بحث بجدية القرار لاعتبار السلطة الفلسطينية كيانا معاديا، مثل الموقف من حماس في غزة – اذا ما اتخذت الخطوة؟ وسؤال الاسئلة: هل وضع على طاولة مباحثات الثمانية (او المجلس الوزاري) الاقتراح لتأييد الخطوة الفلسطينية في الامم المتحدة، وبعد أن نذر فيه شطب منها؟
هل كان هناك قرار من الثمانية حول ما الذي يراد تحقيقه على الاطلاق؟
اذا كانت الاجوبة على هذه الاسئلة، او بعضها، سلبية، فان الحديث يدور عن مشكلة خطيرة في اتخاذ القرارات. مسموح للحكومة أن تختار كل افق سياسي أو عسكري قانوني، ولكن من المتوقع منها أن تطرح على البحث كل الامكانيات القائمة. والتشديد هو على كلها.
من السهل، بالطبع، للناطقين بلسان الحكومة انتقاد النائب شاؤول موفاز من كديما الذي وضع تقريرا واشار بصراحة الى الاستعداد المخلول من جانب القيادة السياسية والذي من شأنه أن يمس بمكانة اسرائيل مع حلول الخطوة الفلسطينية. موفاز يتطلع الى رئاسة كديما والى رئاسة الوزراء ولا يمكن أن نفصل الكلمات التي كتبها عن أمانيه السياسية. والانتقاد عليه لا يعفي الحكومة، رئيسها او كبار اعضائها من الفهم بان الدخول الى خطوة سياسية تكون فيها الخسارة معروفة مسبقا ليست خطوة لا أهمية لها.
فلو كان الحديث يدور عن حرب أو عن حملة عسكرية، لكان منذ الان طرح مطلب تشكيل لجنة تحقيق. فقد قضت لجنة فينوغراد في تقريرها عن حرب لبنان الثانية بان القرار لشن الحرب اتخذ بسرعة ودون فحص عميق لساحة المعركة، دون خطة مدروسة جيدا ودون مسار استراتيجي واضح. كما اشارت اللجنة الى أن اهداف المعركة لم تتحدد بوضوح وبحذر. هذه الكلمات يجب أن تقف أمام ناظر مقرري السياسة قبيل الجمعية العمومية للامم المتحدة. فهل حكومة اسرائيل أو رئيسها وضعا هدفا غامضا أو غير واقعي أو أنه ليس واضحا للمحفل المقرر على ماذا يصوت، فان الحديث يدور عن سلوك غير سليم لدرجة الاخفاق في اتخاذ القرارات.
اذا كان الهدف هو احباط الخطوة الفلسطينية، وهو غير قابل للتحقق، فان الامر يشبه قرار حكومة اولمرت شن حرب لبنان الثانية "حتى تحرير المخطوفين". هذا بالضبط ما انتقدته لجنة فينوغراد انتقادا شديدا. اذا كانت اسرائيل تدخل في معركة سياسية الخسارة فيها معروفة مسبقا فان هذا خطير بذات القدر. الحظ هو أن الحديث يدور عن معركة سياسية لا يوجد فيها قتلى في الارواح.
حتى الان.
المصدر : مركز ابحاث المستقبل : 7/9/2011

