ما فتئت أن استعادت عافيتها حتى عادت إلى حالة الهدوء مرة أخرى, انتفاضة القدس تشتعل فجأة في وقت غير متوقع لدى قوات الإحتلال وسرعان ما تعود إلى حجرات هدوئها مرة أخرى بفعل التشديد الأمني من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية وانتشار قوات الإحتلال في كل مكان لأجل مراقبة تحركات الشبان واعتقال أي مشتبه به سوا كان شاباً أو فتاة أو حتى كباراً في السن.
التشديد الأعمى على كل مناحي الحياة في الضفة المحتلة, والتفتيش في شنط الأطفال إن كانو يمتلكون أدوات حادة، تعبر عن نواياهم في ارتكاب أي أفعال تجاه جنود الإحتلال المنتشرين أو حتى تنفيذ عمليات طعن بحق الجنود، دلالات على حالة الهوس والذعر بين صفوف جنود الاحتلال.
فعملية الباص الطاير التي نفذت في القدس المحتلة في العشرين من شهر أبريل كانت العملية الأقوى التي اختتمت بها جولة فترة اشتعال الانتفاضة وتأجيج الموقف الإسرائيلي المندهش من تمكن الشاب الاستشهادي من تنفيذ عمليته بهذه الصورة, كما أججت الموقف الفلسطيني الرافض لعمليات العنف وأيقظت أركان التشديد الأمني الذي لا يتوقف.
ولم يعد هناك شك بأن موجة العمليات الفلسطينية ضد الإسرائيليين، أو "انتفاضة القدس"، باتت تواجه تعثراً حقيقياً منذ أوائل فبراير الماضي، ويمكن الحديث عن حالة من التراجع الملموس والتدريجي لهذه العمليات للشهر الثالث على التوالي، حيث نعيش النصف الثاني من أبريل الحالي، وهو ما يطرح الكثير من التساؤلات والتفسيرات لهذا التراجع.
دور الأجهزة الأمنية
الخبير في الشؤون الإسرائيلية والكاتب السياسي عدنان أبو عامر قال أن شهري مارس الماضي، والنصف الأول من أبريل الجاري، يبدوان الأكثر هدوءًا في موجة العمليات التي اندلعت قبل ستة أشهر، حيث شهدت الـ45 يوماً تنفيذ 5 عمليات إطلاق نار في الضفة والقدس، و8 عمليات طعن وعمليتي دعس، مقابل 7 عمليات إطلاق نار، و14 عملية طعن، وعملية دهس واحدة شهدها فبراير.
وأكد أبو عامر أن هذه المعطيات الرقمية تعطي مؤشرا جديرا بالدراسة أن الانتفاضة الحالية وموجة عملياتها ربما تكون في طريق نهايتها، لاسيما وأنه يترافق مع تراجع في عدد القتلى الإسرائيليين، فمن بين 33 قتيلا إسرائيليا، قتلوا منذ أكتوبر الماضي، هناك قتيل واحد فقط سقط منذ أوائل مارس الماضي بمدينة يافا خلال عملية طعن.
ومنذ اندلاع موجة العمليات الفلسطينية في أكتوبر 2015 وحتى أبريل 2016، كشف جهاز الأمن الإسرائيلي العام الشاباك عن 57 مجموعة مسلحة في الضفة الغربية، 10 منها خطط أفرادها لتنفيذ عمليات اختطاف مستوطنين أو جنودا إسرائيليين، وفي 4 منها كشف النقاب عن مختبرات لصناعة المتفجرات كانت تجهز أحزمة ناسفة، وأعلن الناطق العسكري الإسرائيلي أوائل أبريل عن تراجع جوهري في الهجمات الفلسطينية.
وبما يخص إدارة الأجهزة الأمنية للأوضاع في الضفة المحتلة قال أبو عامر أن المسئولون الأمنيون والعسكريون الإسرائيليون دأبو على الإشادة بجهود التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، ودورها في وضع حد لتدهور الوضع الأمني في الضفة الغربية، واستمرار استهداف الجنود والمستوطنين، حتى بلغ عدد اللقاءات الأمنية بين الجانبين 140 لقاء منذ العام الماضي 2015، وحتى كتابة هذه السطور، حيث تجري الاجتماعات بين ضباط فلسطينيين وإسرائيليين بصورة اعتيادية.
بدوره، قال د. حاتم أبو زايدة المختص في الشأن "الإسرائيلي": إن حكومة الاحتلال تتخوف من المناسبات الفلسطينية و"الإسرائيلية" على حد سواء، حيث تعتبرها مواسم جيدة للعمليات الفدائية، وتمثل دافعاً حقيقياً لتنفيذها.
وأشار إلى أن قيادة الاحتلال "الإسرائيلي" تتعامل على الدوام بأن الانتفاضة ما زالت قائمة، وفي أي لحظة يمكن لها أن تتجدد، وبصورة غير متوقعة، فالقرار فردي بالدرجة الأولى".
احصائيات
وأظهرت إحصاءات الجيش الإسرائيلي أنه بعد مرور نصف عام على اندلاع الانتفاضة في الضفة الغربية والقدس، وتحديدا بين أوائل أكتوبر 2015 ونهاية مارس 2016، بلغت الهجمات الفلسطينية 168 هجمة في الضفة الغربية، ضد الجنود والمستوطنين، إضافة إلى 39 عملية في القدس وداخل الخط الأخضر، ومن بين هذه العمليات هناك 54 عملية إطلاق نار، بينها 16 استهدفت مستوطنين، و84 عملية طعن بالسكاكين منها 64 ضد الجنود، و30 عملية دعس بالسيارات، 25 منها ضد الجنود والباقي ضد المستوطنين.
وشهد شهر أكتوبر، العدد الأكبر من الهجمات الفلسطينية خلال هذه الهبة بعدد 44 هجمة، ومنذ ذلك الشهر بدأ الانخفاض التدريجي في عدد العمليات، فشهد نوفمبر 35 عملية، أما ديسمبر فقد شهد 36 عملية، وتواصل التراجع في عدد العمليات حتى وصل في مارس إلى 10 عمليات فقط.
وحسب إحصائية الجيش الإسرائيلي، فإن غالبية العمليات بعدد 127 من أصل 168 عملية نفذت ضد الجنود المنتشرين في المناطق الفلسطينية، و83% من عمليات الدعس بالسيارات و76% من هجمات الطعن بالسكاكين توجهت ضد الجنود، في حين أن 39 من العمليات التي وقعت في القدس نفذها فلسطينيون من سكان القرى المنتشرة في الضفة، بالتزامن مع التراجع في عمليات إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على قوات الجيش، حيث شهد أكتوبر 530 عملية إلقاء حجارة و442 زجاجة حارقة، فيما شهد مارس المنصرم 185 عملية إلقاء حجارة وزجاجة حارقة فقط، ومنذ بداية 2016 وقعت 664 عملية إلقاء حجارة، و484 مظاهرة فلسطينية، 79 عملية إلقاء زجاجة حارقة، و48 عملية مسلحة.
وشهدت الحالة الثورية للانتفاضة تذبذباً خلال الأشهر القليلة الماضية، وفقاً لعوامل متعددة، أهمها الوضع الأمني في جزأيه الفلسطيني و"الإسرائيلي"، والأوضاع الفلسطينية الداخلية، ومسببات القيام بالعمليات الفدائية، وغيرها من العوامل التي يتفاوت حضورها من وقت لآخر.

