ما أن يهل هلال شهر رمضان المبارك حتى تنشط العديد من الجمعيات الخيرية على الساحة، حيث تسعى كل جمعية جاهدةً لأن يكون لها الدور الأبرز في قيامها بتبني عدد من المشاريع الرمضانية.
وتتركز المشاريع المقدمة من الجمعيات على مشروع إفطار الصائم، وتقديم الوجبات والطرود الغذائية والمساعدات المالية وغيرها، بهدف توزيعها على الفقراء والمساكين والأيتام وغيرهم من المحتاجين في إطار التكافل والتراحم.
ومع دخول شهر رمضان المبارك، وما يحمله من مضاعفة في الأجر والثواب، تتعاظم أهمية تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي، إذ إن الفقر والحاجة الماسة غالباً ما تظهر ملامحه في هذا الشهر المبارك، حينما تتزاحم موائد بعض الغزيّين بألذ المأكولات، وتغيب عن بيوت أخرى، زاد من فقرها استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عشرة أعوام.
ويعتبر التكافل الاجتماعي أحد السمات التي تميز الفلسطينيين خلال شهر رمضان المبارك، وهي إحدى ركائز قوة المجتمع وتماسكه الداخلي، والتي تسهم إلى حد كبير في التخفيف من معاناة الفئات المحرومة وخاصة في أوقات الأزمات.
تنشط في رمضان
رئيس جمعية زكاة شمال الصبرة أبو المعتز زين قال لـــِ "الرأي": إن عمل الجمعيات الاسلامية ينشط في شهر رمضان لتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي وذلك من أجل مساعدة فئات مختلفة من المجتمع، مشيراً إلى أنه تم عقد العديد من الاجتماعات قبل شهر رمضان من أجل وضع الخطط العملية والعمل على حل الإشكاليات إن وجدت من أجل تقديم كل ما يمكن تقديمه من مساعدات.
وأشار زين الدين أن مندوبي المساجد والمناطق قاموا بجمع الأسماء التي تحتاج إلى مساعدات وبحث الحالة، لافتاً إلى أنه تم التواصل مع المؤسسات في الداخل والخارج من أجل دعم المشاريع الرمضانية وتوفير المساعدات المختلفة.
وشددّ على أن الجمعيات الخيرية في قطاع غزة تعاني من أزمة حقيقية نتيجة عدم القدرة على تحويل الأموال من الخارج.
تخفيف من وطأة الحصار
وتعقيبـًا على ظاهرة التكافل الاجتماعي من قبل الجمعيات الخيرية وتقديم مساعداتها؛ يرى أستاذ علم الاقتصاد في جامعة الأزهر معين رجب، أن هذه المظاهر تخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية على عدد لا يستهان به من الأسر المتعففة خاصة وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها أهالي قطاع غزة.
ويبين رجب لـ "الرأي": "أن الله تعالى وزع الأرزاق، فجعل هناك الغني والفقير لحكمةٍ ما، كما أنه فرض الزكاة لمساعدة الفقراء على تدبر أمور حياتهم"، مشدداً على أن وطأة الحصار المفروض على قطاع غزة يحتّم على الجميع الشعور بالمسئولية أمام الأسر المستورة، للتخفيف عنهم.
وأوضح أن جميع الشرائع السماوية دعت الإنسان إلى التضامن مع أخيه وترسيخ مبدأ التكافل في المجْتمع الإنساني، وجاءت بعد ذلك الشرائع الوضعية تسير على هذا المبدأ السّامي ففرضت الضّرائب على الأفراد في سبيل المصلحة العامة، وفرضت كذلك العقوبات على الخارجين عن القوانين، وذلك من أجل تحقيق السلام الاجتماعي، واعتبرت هذه الشرائع أن الفرد عليه واجبات نحو المجتمع كما أن له حقوقًا عند المجتمع كذلك.
الداعية حازم السراج أكد أن التطوع من السلوكيات والقيم الإيجابية التي حث عليها الشرع الحنيف وندب إليها، لما يترتب على العمل التطوعي من نفع الخلق وقضاء حوائجهم.
وقال السراج "للرأي": "العمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء المجتمع ونشر التماسك الاجتماعي بين أفراده، ودليلٌ على حياة المجتمع وحيويته".
وأوضح أن التكافل الاجتماعي يأتي ضمن العمل التطوعي في الإسلام، مشدداً على أنه ليس مقصوراً على النفع المادي وإن كان ذلك ركنًا أساسياً فيه؛ بل يتجاوزه إلى جميع حاجات المجتمع أفراداً وجماعات، مادية كانت تلك الحاجة أو معنوية أو فكرية على أوسع مدى لهذه المفاهيم، فهي بذلك تتضمن جميع الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات داخل الأمة.
ثلاث مشاريع
مدير الإدارة العامة للزكاة بوزارة الأوقاف بغزة أسامة اسليم، أكد أن وزارة الأوقاف بغزة استعدت لاستقبال شهر رمضان المبارك منذ مايقارب شهرين متواصلين، موضحاً أن رمضان سيشهد تنفيذ ثلاثة مشاريع تكافلية تشمل سلة الخير الرمضانية وإفطار الصائم وفرحة العيد.
وقال اسليم في حوار خاص للرأي:" تواصلنا على مدار شهرين مع العديد من المؤسسات الخيرية العاملة في قطاع غزة والخارج بهدف تنسيق الجهود لتقديم الدعم والمساعدات للعديد من العائلات الفقيرة والمحتاجة في قطاع غزة"، مشيرا إلى أن الكثير من الجمعيات والمؤسسات تجاوبت معهم في الوقت الذي لم تبد فيه بعض المؤسسات أي دعم أو مساندة ولم تستجب للنداء كونها تعمل بشكل فردي.
وفيما يتعلق بمشاريع رمضان التكافلية، ذكر اسليم أن لجان الزكاة المنتشرة في قطاع غزة والتي تتكون من 45 لجنة تقوم بدراسة حالات الأسر ووضعها الاجتماعي والمعيشي من خلال زيارات البيوت، لافتا أن كل لجنة زكاة تعمل حسب منطقتها .
وأضاف:" فيما يتعلق بسلة الخير الرمضانية فإن بين أيدينا خمسة ألاف طرد غذائي سيتم توزيعها على العائلات الفقيرة، الطرد الواحد يقدر بـ50$ حيث سيتم تسليمها للعائلات الأشد فقرا بغزة قبل رمضان بأيام"، لافتا إلى أن تنفيذ هذا المشروع اجتهاد خاص من الإدارة العامة للزكاة بدعم من أهل الخير.
أما المشروع الثاني وهو إفطار الصائم، فيؤكد اسليم أن هذا العام تم التواصل مع الأسر الأشد حاجة ومعوزة، حيث سيتم تسليم الأسرة وجبة فطور يومية طوال فترة شهر رمضان المبارك.
وبخصوص المشروع الثالث فرحة العيد فإنه سيتم توزيع بعض المساعدات النقدية للأسر المحتاجة بهدف إدخال الفرحة والسرور على أفرادها وخاصة الأطفال منهم.
مشروع مميز
وأهم مشروع تنفذه الإدارة العامة للزكاة هذا العام هو مشروع الغارمين ويتمثل في الافراج عن بعض أصحاب الذمم المالية والمعتقلين لدى وزارة الداخلية بغزة على خلفية ديون مالية.
وفي هذا الإطار لفت اسليم إلى أن الزكاة تنفذ هذا المشروع كل عام ولكن حسب استطاعتها ومقدرتها، حيث يتم الافراج عن المئات من المعتقلين وفي بعض الأحيان من 30 إلى 40 معتقل غير مشبوه أو معتقل بسبب النصب أو الاحتيال.
وتابع قوله:" يتم التنسيق بالكامل مع وزارة الداخلية بغزة، ويتم دراسة حالة الشخص المعتقل من حيث السلوك والانضباط ومن ثم يتم العمل على تسديد المبلغ الذي عليه بهدف التخفيف عنه".
وأوضح اسليم في حديثه أن الإدارة العامة للزكاة ستعمل جاهدة للتيسير والتخفيف عن الأسر الفقيرة والمحتاجة، وخاصة الأسر المتضررة من العدوان الأخير على قطاع غزة، مؤكدا حرصهم على الوقوف بجانب كافة المحتاجين، والمساهمة في توفير ما يلزمهم من احتياجات خاصة في شهر رمضان.

