أثار قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية والذي قضى بمنح الرئيس محمود عباس صلاحيات رفع الحصانة البرلمانية عن أي عضو في المجلس التشريعي، حفيظة واستياء بين النواب في المجلس التشريعي والعديد من الفصائل والشخصيات السياسية التي رأت في القرارمحاولة لتسييس القضاء الفلسطيني، الأمر الذي يعزز من الانقسام الحاصل بين غزة والضفة.
وكانت المحكمة الدستورية في رام الله، قد قررت الأحد الماضي، منح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الصلاحية لرفع الحصانة عن أي عضو من أعضاء المجلس التشريعي" البرلمان" في غير أدوار انعقاد المجلس.
وأجمع محللون سياسيون ومراقبون على أن قرار المحكمة الدستورية يعتبر مخالفة قانونية ودستورية، وهو تغول على السلطة التشريعية، موضحين أن منح صلاحيات للرئيس عباس هو محاولات لتسييسالقضاء، وأن القرار هو سياسي بامتياز أكثر منه قانوني، وأن الهدف الأول للقرار هو رفع الحصانة عن النائب محمد دحلان.
تسييس القضاء
الخبير القانوني عبد الكريم شبير أكد أن المحكمة الدستورية شكلت خلافا للقانون الأساسي، وأنه لايجوز لها أن تصدر أي قرارات للسلطة التنفيذية، كما لايجوز مخالفة القانون الأساسي الفلسطيني.
وقال شبير في حديث خاص للرأي:" إن القضاء يجب ألا يسيس، وأن إعطاء صلاحيات للرئيس من قبل المحكمة الدستورية هو مخالفة قانونية دستورية حتى لايكون هناك تغول من السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ".
وأشار شبير في حديثه إلى إقحام المحكمة الدستورية في إصدار قرارات، مؤكدا أن الهدف منها إقصاء أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو مايعتبر صراع قضائي وتسييس للمحكمة الدستورية .
ووفق ما ذكره الخبير القانوني، فإن دور المحكمة الدستورية أصبح سياسي بحت، وأن من أهم تداعيات مثل هذه القرارات، هو أنه سيكون هناك رفع الغطاء والحصانة عن النائب في حركة فتح محمد دحلان وملاحقته عن بعض التصرفات التي يراها الرئيس مخلة بالقانون أو بالوحدة الوطنية أو بالصف الفتحاوي.
تصفية خصوم عباس
من جهته يتفق الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني مع سابقه، حيث أكد قرار المحكمة الدستورية هو سياسي بامتياز أكثر منه قانوني، في ظل غياب المجلس التشريعي الذي عينه الرئيس عباس، مشيرا إلى أن الرئيس يريد أن يقوم بتصفية خصومه السياسيين من خلال قرارات المحكمة الدستورية.
وقال الدجني في حديث خاص للرأي:" إن هذا القرار بالإمكان استخدامه ضد النائب دحلان أو نواب في الجبهة الشعبية وغيرهم من نواب التشريعي، وحاليا يتم استخدامه ضد دحلان، وهناك محاولات لتصفيته سياسيا وقانونيا ودستوريا".
ويرى المحلل السياسي هاني حبيب، أن مثل هذه القرارات هي تعزيز للانقسام الموجود ووضع عقبات إضافية أمام إنهاؤه، موضحا أن قرار المحكمة الدستورية جاء على مشارف مؤتمر فتح السابع والمزمع عقده قريبا، وخاصة في ظل سوء الأوضاع التنظيمية داخل حركة فتح.
وقال حبيب في حديث للرأي:" إن قرارات المحكمة الدستورية انتقامية أكثر منها قانونية، وهي تجاوز للقانون الفلسطيني ومصادرة له"، لافتا إلى أنه من الواضح تماما أنه عمل انتقامي ضد النائب دحلان، وأنه بعد عقد المؤتمر السابع لحركة فتح سيصبح دحلان خارج إطار الحركة واللجنة المركزية .
وحول تداعيات القرار، أكد حبيب أن المحكمة الدستورية غير شرعية، وبالتالي سيصبح القانون والدستور الفلسطيني لعبة بيد أطراف متنازعة لاتلتزم بالقرار الفلسطيني، وتحديدا في ظل وجود خلاف مابين غزة والضفة.
حماس ترفض
وفي ردها على القرار الصادر من المحكمة الدستورية برام الله، رفضت حركة حماس القرار الذي ينص بأن الرئيس محمود عباس له الصلاحية الكاملة لرفع الحصانة عن نواب المجلس التشريعي، معتبرة اياه "باطل قانونا".
وقال سامي ابو زهري الناطق باسم حركة حماس في تصريح صحفي:"إن الحركة لا تعترف أصلاً بالمحكمة الدستورية ولا قراراتها لأنها عبارة عن محكمة فتحاوية شكلت للهيمنة على السلطة القضائية والتشريعية، وهو ما يجعل أي انتخابات قادمة ليس لها أي قيمة في ظل هذه الممارسات من حركة فتح".
فتح تطالب باستقالة
حركة فتح هي الأخرى أعربت عن رفضها لهذا القرار، وقالت النائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح، نجاة أبو بكر:" إن الرد الحقيقي على منح المحكمة الدستورية صلاحيات للرئيس محمود عباس، برفع الحصانة عن نواب المجلس التشريعي، لا يكون بالتصريحات ولكن بتقديم استقالات جماعية وفورية ".
وقالت أبو بكر:" إن منح الصلاحيات للرئيس عباس من قبل الدستورية، آخر المسامير في نعش الديمقراطية الفلسطينية، وليست مقدمة ولكنها نهاية لاحتواء كل المنظومة، وهذا يضعنا أمام مسئولياتنا، ويضع كل المجتمع الفلسطيني أمام مسئولياته لأنه لا يجوز التعدي على القانون الأساسي، ورفع الحصانة عن النواب بدون الرجوع الى التشريعي، حسب الآليات التي نص عليها القانون، فهذا يعني ذاهبون الى اغتيال الحياة الدستورية" .
من جانبه أكد المستشار د. عماد الباز رئيس ديوان الفتوى والتشريع:" إن هذا القرار الصادر عن المحكمة الدستورية يعتبر مجزرة حقيقية بحق القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 م والنظام الداخلي للمجلس التشريعي الصادر بتاريخ 7/6/2000م".
وأوضح البازفي بيان صادر عن ديوان الفتوىأن هذا القرار يرسخ للفساد القانوني والقضائي والسياسي، ويقوي الظلم والاستبداد داخل أراضيالسلطة الوطنية الفلسطينية، وهذا ما يؤكد أن هذه المحكمة الدستورية مسيًسة وتعمل لصالح فصيل بعينه.
وقال الباز:" نحن نستغرب من هؤلاء القضاة قبولهم المشاركة في تشكيل هذه المحكمة وهم يعلمون أنها مخالفة لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2003م وتعديلاته، فكيف إذن نثق بالقرارات التي سوف تصدر منهم هم جاءوا مخالفين لأحكام القانون الأساسي، وكذلك قراراتهم ستكون منعدمة ومخالفة للقانون الأساسي".

