لا مفر من الخيارات المحصورة في ذات البقعة الصغيرة، الموت يقف على رأس أولوياتها دون اللجوء إلى خيارات التعافي طبقا لقواعد الحصار المفروض عليها منذ ما يزيد عن أحد عشر عاما، الموت تدريجياً وحده مصير كل من صاحبه ذاك المرض "الخبيث" في عضد جسده الضعيف.
الأيام التي سيشهدها مريض السرطان خلال بقائه في المستشفيات المحلية، والذي يربطه بها "كيس المحلول" كتغذية ميتة لشرايين جسد هالك، ما هي إلا أيام تأخذ عداً تنازلياً نحو حفرة الموت النهائية.
مشاهد الوضع الإنساني الذي جسدته السلطة الفلسطينية في قطاع غزة اكتملت حلقاته باحتجاز مرضى السرطان والمرضى الآخرين داخل المشافي الفقيرة لجرعات العلاج، مما يشكل وجه مخيف لكارثة تدعى "الموت" تستقر مجرياتها ونهايتها في قطاع غزة.
هكذا تلعب السلطة الفلسطينية على وتر الأزمات الإنسانية، حيث لجأت إلى ملف التحويلات الطبية للمرضى في قطاع غزة، فقد أوقفت التحويلات الطبية لمرضى غزة، ومنعتهم من تلقي العلاج في (إسرائيل)، في إطار سياستها المعتمدة على العقاب المباشر لسكان القطاع، وفق ما ذكرته وزارة الصحة بغزة .
واستشهد 5 مرضى بينهم 3 أطفال، خلال الأيام الماضية، جراء منع السلطة تحويلهم للعلاج في الخارج، وبذلك يرتفع عدد شهداء التحويلات العلاجية إلى 14 شهيدا منذ بداية العام الجاري، فيما يتهدد الموت آلاف الحالات الطبية في قطاع غزة من بينهم عشرات الأطفال الخدج والمصابين بأمراض خطيرة، وفق وزارة الصحة بغزة.
وبحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان، فإنه ومنذ آذار/ مارس الماضي يتقدم المرضى بطلب الحصول على الموافقة ولا ترد وزارة الصحة على هذه الطلبات لا بالرفض ولا بالقبول، ليصل عدد المرضى الذين لم يتم الرد على طلباتهم لما يزيد عن 1720 مريضًا.
تعدي على الإنسانية
وفي هذا الإطار كشف رامي عبده مدير مؤسسة الأورمتوسطي لحقوق الانسان عن وجود الكثير من الشكاوى تم رفعها لممثليات الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوقية، ضد السلطة، باستخدام المال المقدم من أوروبا لصالح الابتزاز السياسي وطرف سياسي معيّن.
وقال عبده خلال اتصال هاتفي مع "الرسالة نت"، أن الشكاوى أظهرت بشكل واضح استخدام السلطة للمواطنين في غزة، لملف التحويلات كعقاب جماعي، من أجل أهداف واجندات سياسية خاصة.
وأوضح أن أطرافاً أممية وحقوقية تواصلت مع السلطة، تنبهها من خطورة إجراءاتها ضد مرضى غزة، ومخالفته لحقوق الانسان، مما تسبب للأخير بالإحراج، وبدأت تبحث عن مخارج، من خلال نيتها استئناف التحويلات مجدداً.
وأشار إلى أن المقررين التابعين للأمم المتحدة في مجلس حقوق الانسان، سيصدرون موقفاً يوم الثلاثاء المقبل للمرة الأولى، لتوضيح خطورة المعاناة التي تتعرض لها غزة، نتيجة الخطوات التي اتخذتها السلطة ضدها.
وبيّن أن ارتقاء عدد من الشهداء نتيجة منع التحويلات، وتصديره إعلامياً أحرج السلطة و(إسرائيل) ودفع الأطراف الدولية للحديث معهما، مشيراً إلى ضرورة متابعة هذا الموضوع، خاصة أن السلطة قد تلجأ إلى الاستجابة شكلياً وتخفض بشكل حاد عدد التحويلات، وهو ما يعني المنع بشكل أو بآخر.
وذكر عبده، أن أحد المقررين الخواص تلقى اتصالاً من السلطة مفاده بأن منع التحويلات الطبية ناتج عن نيتها إعادة تقييم حجم النفقات التي تنفقها على التحويلات الطبية، لذلك ستقوم بمراجعته، مشيراً إلى أن هذه الرواية ليس لها صدى، وأن السلطة بحد ذاتها معنية بأن تلبي طلب الاتحاد الأوروبي، خاصة أنها تتلقى دعماً مالياً منه.
وبذلك تعلن السلطة الفلسطينية قطاع غزة مرمى للموت الأخير للمرضى، وخاصة أصحاب الجرعات المتواجدة حصريا داخل مشافي الأراضي المحتلة والتي تفتقر إليها مشافي القطاع.
أشرف القدرة، المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، حذر من أن مئات المرضى بمستشفيات القطاع دخلوا مرحلة الخطر؛ نتيجة استمرار السلطة بإيقاف التحويلات المرضية لهم، ومنع سفرهم للخارج، كما ويوجد اتصالات مع الجانب المصري للسماح بسفر المرضى عبر معبر رفح إلى مصر أو دول عربية أخرى، بشكل طارئ.
وأكد القدرة، على أن الوزارة بغزة مقبلة على كارثة حقيقية وخطيرة للغاية، وأنه في حال لم تتدخل الجهات المعنية بالضغط على السلطة ومنع هذا "قرار السلطة الظالم"، فذلك يعني وفاة العشرات من المرضى خلال الساعات المقبلة، خاصة المحتاجين للسفر بشكل طارئ.
وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإن 2500 مريض يحتاجون إلى تحويلات خارجية شهرياً، حيث أن 90% منهم لم يحصلوا على التحويلات، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أن 90% من خدمات مرضى السرطان غير متوفرة في قطاع غزة.

