أكثر من 45 عاما مضت ولا تزال الحاجة أم محمد محسن تعيش في منزل من الزينكو المرقع بألواح خشبية مهترئة، ويفتقد إلى أدنى مقومات السكن الصحي والراحة النفسية، من ألقى نظرة بداخله قال بأن أصحاب البيت يعدون أنفسهم للرحيل، فهنا قطع من الخشب متناثرة وهناك قطع من الحديد وأكياس من السكر تتشكل على هيئة ستار من أعين الجيران كون البيوت المحيطة مرتفعة عن منزلها الأرضي.
معاناة تلك الحاجة برفقة الأبناء تتجدد كلما حل الصيف أو الشتاء، ففي الشتاء يصبح المنزل أشبه ببركات مياه متناثرة، في حين تتساقط الأمطار من كل جانب من زوايا المنزل، أما في الصيف فلا تكاد تتحمل الجلوس داخل أي غرفة أو في ساحة المنزل، حيث يتحول إلى ما يشبه الصفيح أو أفران ملتهبة تخرج نارا حامية بسبب التهاب ألواح الزينكو نتيجة حرارة الشمس المرتفعة.
معاناة مزدوجة
تقول الحاجة أم محمد للرأي:" المنزل كله يحتاج إلى تجريف، فهو يفتقد إلى كل مقومات الصحة، وفي الصيف نهرب من داخله إلى الجلوس أمامه حيث توجد مظلة خفيفة مسقوفة بألواح زينكو، لكنها أفضل قليلا كونها في الشارع".
باب المنزل هو أيضا يفتقد إلى الباب الآمن والذي يستر من أعين المارة، وهو لا يغلق تماما، وحجر صغير فقط هو ما يوضع خلف هذا الباب من أجل سده وإغلاقه بإحكام، في حين توضع ستارة خفيفة تهدف إلى إدخال الهواء لداخل المنزل، لكن حرارة الجو أقدر فهي تسيطر بشدة على الأجواء.
وغير ذلك يزدحم المنزل بالكثير من القوارض والفئران التي تسير فيه بكل أريحية، في وقت بذلت الحاجة أم محمد كل ما في وسعها كي تتخلص من تلك القوارض لكن دون فائدة، فقد كانت تتكاثر وبشدة وكأنها احتلت المنزل وجعلت منه مسكنا لها، في حين انتشرت الجحور في كل مكان داخله.
ولا تتوقف معاناة المنازل المسقوفة بألواح الزينكو بغزة عند هذا الحد، حيث يضطر أصحابها إلى تعبئة المياه في جالونات صغيرة من السيارات المارة أو من عند الجيران الذين يعتمدون على تشغيل مواتير المياه على الكهرباء، أو في حال وجود مياه سبيل في الشارع.
فصل الشتاء مأساة أخرى خاصة بالحاجة أم محمد وعائلتها، حيث سقف المنزل المملوء بالفتحات والشقوق هنا وهناك كفيلا بتسريب المياه إلى داخل الغرف وكافة أركان المنزل المتواضع، وهو ما يجعل المنزل أشبه ببرك ماء متناثرة، في حين تضطر أم محمد لوضع أواني وأوعية أسفل الشقوق التي تسرب المياه منها من أجل تلافي الوصول إلى الملابس والأغطية والأثاث الموجود.
أشبه بحمم بركان
وفي معسكر الشاطئ بغزة، لا تختلف حياة المواطنة أم فادي عن سابقتها، حيث تعتبر فصل الصيف من الفصول التي تسبب لها الضيق والهم، فهي تعيش في منزل مكون من غرفتين صغيرتين إحداهما غرفة معتمة لا تدخلها الشمي أبدا، إلى جانب مرحاض أرضي يفتقد إلى أدنى مقومات الآدمية.
وفي فصل الصيف، تضطر أم فادي وهي سيدة في الستينات من عمرها، إلى الجلوس برفقة جاراتها وقريباتها أمام ساحة منزلها هربا من حرارة الشمس الحارقة وارتفاع الرطوبة التي تعاني منها، إلى جانب تآكل أسقف المنزل الذي تسكن فيه، وهو من الزينكو أيضا.
تقول أم فادي للرأي:" لا يشعر بحر الشمس إلا من يعيش داخل منزل من الزينكو، تشعر وقتها وكأنك داخل غرفة ساونا تعطيك حرارة فائقة وأكثر من اللازم، وكلما ذهبت للاستحمام ومن ثم خرجت تشعر مرة أخرى وكأنك لم تستحم، فتصبب العرق وارتفاع حرارة الشمس كفيل لوحده بأن يشعرك بأنك داخل محمصة أو داخل فرن كهربائي ".
وتتميز المنازل في معسكر الشاطئ بتلاصقها بجانب بعضها البعض، وصغر شوارعها وأزقتها، في وقت تكثر فيه المنازل ذات الأسقف المكونة من ألواح الزينكو والتي تلهب حرارة صيف العائلات، وتجعل من تلك المنازل أشبه بالبراكين المملوءة بالحمم.
وتعاني الكثير من العائلات بغزة من ارتفاع حرارة الشمس خلال هذا الصيف ويعتبرونه أول صيف شديد الحرارة يمر عليه بتلك الشدة، ولا يقتصر الأمر على المنازل ذات أسقف الزينكو ولكن منازل مكونة من الباطون أيضا.
وتحتاج منازل الزينكو بغزة إلى وقفة حقيقية من الجهات الرسمية المعنية أو من مؤسسات تهتم بالظروف المعيشية للعائلات الفقيرة، وهو ما يستوجب ضرورة النظر بعين الرأفة والرحمة لتلك العائلات التي يحول صيفها إلى حريق وشتاؤها إلى أشبه بالغريق.

