أخبار » تقارير

وسط ظُلمات "العتمة" امتحانات نهائية وطلبة هاربون ونداءات إنقاذ غزة مستمرة

09 آب / مايو 2018 09:30

طلبة يدروسون على ضوء الشموع نتيجة ازمة الكهرباء في قطاع غزة
طلبة يدروسون على ضوء الشموع نتيجة ازمة الكهرباء في قطاع غزة

غزة- الرأي - آلاء النمر

شارف الربع الأول من القرن الواحد والعشرين على الانتهاء، وشارفت العديد من الاختراعات على تخطي حد المعقول واللامعقول في هذا العالم الكبير، حتى أن إحداثيات التطور باتت تنافس صور الخيال والمنطق وحتى الواقع، ورغم وصولنا إلى العام 2018 إلا أن البقعة الصغيرة –غزة- لا زالت حبيسة العتمة وسجنها الأكبر دوناً عن العالم أجمع.

وسط طقوس مخالفة ومعاكسة عن تلك التي يجب أن تكون، يقبع أهالي وطلبة القطاع خلف جدران بيوتهم الإسمنتية ويركنون لأسقف خالية من مصادر النور، علهم يحظون كما كل عام بدرجات علمية مبهجة يختمون بها عامهم الدراسي .

كل 3أيام مرة

أجواء تعمها المشاحنات وبعض الهدوء بين فترة وأخرى، فـ "أم محمد زقوت" أربعين عاما تتوسط أبنائها وبناتها السبعة وتلتزم برفقتهم الركون إلى جانب الملازم والكتب والمراجعات السريعة لمنهاجهم الدراسية الموزعة على شتى المراحل الأساسية، تسارع الوقت وتنافس في انجازها أفول الشمس وانتهاء إطلالتها المتسللة إليهم عبر نافذتهم الصغيرة.

خيوط الشمس تبدأ بالخفوت شيئا فشيئا، إلا أن النهار لا زال حاضرا بضيائه المقترب من المغيب، ومنسوب التركيز لدى أبنائها الطلبة يبدأ بالانحدار نحو الهروب إلى الباب الرئيسي لبيتهم الذي يقع بين زقاق مخيم معسكر الشاطئ.

"مش محرزة هالأيام قربنا نخلص الامتحانات يا أولاد، يلا نكمل"، تخاطبهم وتعيد توبيخ أكبرهم الذي لا ينضبط لنداءاتها المتكررة بالالتزام وانتهاء تكليفاته الدراسية وإنجاز أكبر قدر ممكن من المذاكرة الموكلة على عاتقه.

تقول "زقوت" لـ"الرأي"، :"أولادي يهربون من الدراسة للامتحانات النهائية، فالعتمة تحل علينا باكراً، والكهرباء لا تطل علينا إلا وقت منتصف الليل والأولاد نيام" ،وتعدهم مكررة تحفيزها لهم بإكمال المذاكرة بأن تصنع لهم أكوابا من الحليب مع البسكويت.

أضواء "الليدات الخافتة" تجمع شتات سبعتهم مرة أخرى حول أكواب الحليب الساخنة وكتب الرياضيات واللغة العربية والانجليزية، تتابع "زقوت" قولها أن الكهرباء المنقطعة عن حياتهم لأكثر من عشرين ساعة متواصلة تفتك بحالة من الملل وهرب أطفالها من البيت نحو الشارع، "كل ثلاث أيام يأتي دورنا في الكهرباء ثلاث ساعات وقت المساء، يومها يعلن أطفالي عيدهم ما بين الدراسة والاحتفال بمجيئها" تقول.

ثلاث ساعات وربما تزيد إلى أربع وصلاً وبقية الساعات العشرون تبقى الكهرباء غائبة عن البيوت والأحياء وكافة المناطق السكنية في حدود قطاع غزة، ما يزيد من سوء الأوضاع التي تشهد خلالها الامتحانات النهائية للعام الحالي.

هروب

الأماكن العامة حاضرة في المشهد أيضا، فبعضا من الحالات التي ضاقت ذرعا من حر الصيف وعتمة البيوت وضيق المساحات التي تخيم عليها العتمة، أحال بالعديد من الأسر للخروج من بيوتهم لإعداد أجواء جديدة خارج نطاق جدرانهم تساعد أبنائهم على مواصلة المذاكرة.

خيمة صغيرة وزجاجة ماء ليست باردة تقتنصها أشعة الشمس وكتب المنهاج الأحد عشر، حملها الطالب محمد عابد خمسة عشر عاما إلى سطح منزلهم عله يحظى ببعض التركيز والتهام ما تبقى له معلومات لا زالت رهينة دفات كتبه.

يصارع الوقت للانتهاء من المهمة الأصعب، فلا بد أن يؤكد لوالديه بأنه أنهى دراسته لهذا اليوم حتى لا يعيدا عليه كرّة الملاحظات بالعودة إلى تأكيد دراسته من جديد على كشاف خافت ينازع أضوائه الأخيرة.

أما عن طالب الثانوية العامة طارق بعلوشة فقد اتخذ من شاطئ البحر ملجئ آمناً وهادئاً من ضجة الأحياء وعتمة بيته طويلة الأمد، وافترش الأرض بالكتب ومستلزماته الخاصة من حوائج دراسته التي تعينه على تقديم الامتحانات النهائية التي اقترب مجيئها.

هرب "بعلوشة" إلى شاطئ البحر يزيد جسده إنهاكاً وتعباً، فما أن يحل المساء عليه وتغيم العتمة حتى ذاك المكان السياحي العام حتى يرتحل إلى بيته ويتخذ قسطا من النوم ليكمل ما تبقى من يومه بعد منتصف الليل على "ضوء كشاف هاتفه الذكي".

"الحرارة المُرتفعة وانقطاع التيار الكهربائي يدفعاني للخروج من المنزل للدراسة في أماكن عامة، والقدرة على التركيز تكون ضعيفة وليست كما في البيت"، بهذه الكلمات علّل بعلوشة أسباب خروجه من المنزل للدراسة.

ويُعاني سكان قطاع غزة بمختلف فئاتهم من أزمة انقطاع التيار الكهربائي المستمرة منذ أعوام طويلة، دون وجود حل في الأفق القريب لهذه المُشكلة، الأمر الذي أدى لنتائج سلبية في عديد من المجالات.

وفي دراسات علمية عديدة فقد أثبتت أن القراءة في الضوء الخافت تُسبب قصر النظر، كما لاحظ الباحثون ازدياد قصر النظر لدى الأشخاص "البيتوتيين" الذين يقضون وقتا طويلا في البيوت وفي غرف مغلقة.

الجدير بذكره أن الحصار يكمل حلقاته بتغييب الكهرباء وقطعها عن المنازل والأحياء في مراحل حرجة وضرورية، فالطلبة هم أشد حاجة لها من غيرهم بعد المرضى، ما يزيد الأوضاع الإنسانية والعامة أكثر بؤسا.

وتشهد الفترة الحالية مرحلة عصيبة من تشابك الأزمات الإنسانية التي تفتك بحال القطاع من شتى النواحي وأبرزها حساسية، فلم يسلم القطاع الاقتصادي ولا القطاع الاجتماعي ولا القطاع الإنساني، ما ينذر بوقوف قطاع غزة على حافة الانهيار.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟