تهرول العديد من الدول العربية لفتح قنوات اتصال مباشرة وتطبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي وصلت لمستويات غير مسبوقة، في الوقت الذي تثخن فيه الجراح كافة أطياف الشعب الفلسطيني المحاصر منذ أكثر من 12 عاما.
تهافت عربي كبير تجاه إسرائيل، في وقت تتسابق فيه الوفود العربية لكسب ود رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الملطخة يده بدماء أطفال فلسطين في غزة والضفة المحتلة، في حين تتغاضى تلك الوفود وتتناسى مآسي الفلسطينيين في كل مكان.
مؤتمر وارسو كان آخر مظاهر التطبيع العربي مع الاحتلال، في وقت كان فيه نتنياهو يتباهى بتسابق دول عربية نحو التطبيع العلني مع الاحتلال، وبمجاورته وزير الخارجية اليمني، وهو ما يخدم مصلحته أولا وأخيرا، في القت الذي تشهد فيه القضية الفلسطينية محاولات كبير لتصفيتها من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
عالمية اللقاء
ويرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف، أن مؤتمر وارسو نجح في جانب جمع هذا العدد من وزراء الخارجية العرب للالتقاء مع نتنياهو، وهي محاولات أمريكية من أجل تنفيذ صفقة القرن.
ويقول الصواف في حديث لـ"الرأي": هذا اللقاء لم يحمل أي جديد، سوى عالمية اللقاء بين العرب ونتنياهو"، موضحا أن التطبيع بات بشكل واضح، وتجاوز لما جاء في المبادرة العربية التي تشترط حل القضية الفلسطينية قبل التطبيع مع الاحتلال.
وحول تأثير هذا التطبيع على مستقبل القضية الفلسطينية، يصف الصواف هذا التطبيع بأنه خيانة عربية، وأن القضية الفلسطينية ستبقى ما بقي الشعب الفلسطيني وأنها العنوان الأبرز رغم محاولات الاحتلال لتصفيتها، وأنها ستبقى تواجه الاحتلال بمقاومتها.
وفيما يتعلق بالهرولة العربية تجاه التطبيع مع الاحتلال، يضيف:" التطبيع مع الاحتلال هو الجسر لحماية عروش تلك الدول العربية لأنهم يدركون أن هناك خطرا حقيقيا يداهم ممتلكاتهم خاصة في ظل الثورات التي تعصف بالعالم العربي.
التنسيق الأمني سبب
من جهته يرى المحلل السياسي إياد جبر، أن علينا كفلسطينيين أن نقتنع بأن قضيتنا ليست قضية العرب الاولى ولا الأخيرة كما يُردد في الاعلام، وهذا ليس بجديد، فهناك دراسات عربية موثقة أجريت حول هذا الموضوع في ثمانينات القرن الماضي أكدت أن القضية الفلسطينية لم تكن قضية العرب، وقد كانت ومازالت قضية النظم العربية، وأزماتها هي من تحتل دائما الاهتمام الرسمي العربي.
ويقول جبر في حديث لـ"الرأي": مع توقيع منظمة التحرير على اتفاق أوسلو دخلت القضية الفلسطينية في مرحلة جديدة، ودائما يبرر الموقعين على الاتفاقية من قيادات المنظمة توقيعهم عليها بالضغوط التي مورست عليهم وهي ضغوط عربية قبل أن تكون غربية".
ويؤكد أن هذه الاتفاقية كانت مدخلا حقيقيا للتطبيع العربي مع الاحتلال، لأنه طالما يشاهد المواطن العربي الفلسطيني ينسق مع الاحتلال ويجري لقاءات رسمية مع الاحتلال فلن يزعجه أي لقاءات لأي مسؤول في بلاده مع قيادات إسرائيلية.
وحول هرولة الدول العربية نحو التطبيع مع الاحتلال، يرى جبر أن التطبيع ليس بشيء جديد لكنه انتقل من مرحلة السر الى مرحلة العلن، والسبب الأبرز في ذلك هو الفلسطينيون أنفسهم أو بشكل أدق منظمة التحرير.
ويتابع قوله:" إسرائيل قوة لا يستهان بها في المنطقة، ومع الأسف هناك قناعة عربية وخليجية على وجه الخصوص بأن الصراع مع إيران هو المشكلة الحقيقية، وأن اسرائيل لم تعد عدو، وهذا ما أكدته تصريحات الكثير من المسؤولين العرب وكذلك بعض الإعلاميين، وقد نجحت إسرائيل في ذلك عبر اقناعها للكثير من دول الخليج بأن الصراع الأساسي مع إيران وليس معها".
ويعتبر الضغط الأمريكي الكبير على الأنظمة العربية الهشة التي تُعاني من عقدة الأمن، جعلها تتوجه نحو إسرائيل كمظلة أمنية في مواجهتها المُفترضة مع إيران كبديل عن المظلة الأمريكية، وفق حديث جبر.
أسباب بارزة للتطبيع
بدوره يعدد الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني، أسباب الهرولة العربية نحو التطبيع مع الاحتلال، ومن أهمها أن القضية الفلسطينية لم تعد كما في السابق، وأن التقاط الصور واللقاءات الفلسطينية المتكررة والحميمية مع قادة الاحتلال هي السبب.
ويؤكد في حديث لـ"الرأي"، أن انشغال الأمة العربية والإسلامية باهتماماتها الخاصة وانشغالهم بها هو من أسباب هرولتها للتطبيع مع إسرائيل، إلى جانب نجاح الدبلوماسية الإسرائيلية في جعل هؤلاء العرب يعملون من أجل الحفاظ على بقاء عروشهم وخوفا عليها من الانهيار.
ووفق ما ذكره فإن بناء إسرائيل الكبرى هو طموح الاحتلال الأكبر الذي يسعى اليه، وأن إسرائيل لا يمكن أن تلتفت إلى ما يتعلق بتحقيق ما يتطلع اليه الفلسطينيين.
التطبيع خيانة
وأطلق نشطاء ومثقفون، مساء أمس السبت، حملة دولية للتغريد على هاشتاق "التطبيع خيانة"، الذي يُجرم جميع أعمال التطبيع العربية مع الاحتلال الاسرائيلي، والتي وصلت لمستويات غير مسبوقة.
وأطلقت الهيئة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار هاشتاق "التطبيع خيانة"، مطالبة الجميع بالتغريد عليه رفضاً للتطبيع العربي مع "إسرائيل".
واصطفّ رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولون عرب على منصة واحدة في مؤتمر "وارسو" لالتقاط صورة جماعية للمشاركين في أعمال المؤتمر، وكان نتنياهو قد عدّ اللقاء وارسو منعطفا تاريخيا في العلاقات الإسرائيلية العربية.

