في عرض البحر الذي يكبله الاحتلال بعشرات الزوارق الحربية المتمترسة على بعد اثني عشر ميلا من شاطئ البحر، يصرُ الصياد على الكد وانتزاع رزقه من بين أنياب الحصار البحري الذي لا ينفك، لينهي مهمته اليومية في البحث والسعي والاجتهاد في المحاربة لأجل البقاء على قيد الحياة وإبقاء أطفاله على قيد الستر وإشباع جوع بطونهم.
يوميات من الشقاء اللا متناهي، يعيش الصياد تفاصيلها ما بين الحياة وتعريض نفسه للموت، ونادرة هي المحطات التي ترسو به إلى طرق النجاة من الخطر المحقق، سواء كان خطر الأمواج الهائجة، أو خطر القناصة التي ترصد تحركاته بدقة على متن مركبته المتهالكة بفعل الظروف الاقتصادية.
هذا حال 4000صياد فلسطيني يغامرون بحياتهم يومياً في سبيل النجاة من الجوع ولتجنيب أنفسهم وأطفالهم من أرصفة الفقر، في حين يعقد كل صياد نيته ليحظى بأكبر قدر ممكن من الرزق الذي تدفنه أمواج البحر تحت أعماق متباينة.
هذه المرة وفي حظ نادر امتلكه أحد أمهر الصيادين، علقت في شباكه سمكة التونة العنيدة، والتي تشتهر على مستوى العالم بلحمها الطازج والمطلوب، كما تشتهر بارتفاع ثمنها عالميا.
يبدو أن الحظ ابتسم للصياد "بكر" بعد أن نجح في انتشال السمكة على متن سفينته المتواضعة والخلاص بها إلى الشاطئ، فلم تكن عيناه تصدق الحدث الذي يعده عظيما في حياته كلها، لولا أن وصل بها إلى شاطئ الأمان.
وتزن "سمكة التونة العملاقة" 160 كيلو غرام، وذلك في مشهد نادر في ظل عدم تمكن الصيادين من الإبحار في مسافات كبيرة وعدم امتلاكهم قوارب ومعدات صيد تلاءم هذا النوع من الأسماك.
وتسبح أسماك "التونة" في المياه العميقة بعيداً عن الشاطئ، لذلك يفشل صيادو غزة من اصطيادها نظرا لتقييد الجيش الإسرائيلي، مسافة الصيد المسموحة أمامهم، بـ12 ميلا بحريا فقط.
أمهر الصيادين عالميا
من جهته أوضح زكريا بكر، منسق لجان الصيادين لدى اتحاد لجان العمل الزراعي، أن هذه السمكة العملاقة واحدة من سمكتين كبيرتين تم اليوم اصطيادهما من نوع "تونة" من الحجم الكبير وتم بيعهم بمبلغ 5000 شيكل (1430 دولار).
وشدد بكر على أن ذلك يؤكد على أن صيادي غزه من أمهر صيادي العالم والذين يعملون في ظروف صعب وبلا معدات أو قوارب يمكنها الدخول إلى أعماق البحر في ظل ملاحقة قوات الاحتلال المتواصلة لهم وإطلاق النار المستمر عليهم.
بدوره قال نقيب الصيادين نزار عياش أن توسعة مساحة الصيد لا تعتبر حلاً للصيادين في قطاع غزة، إذ يواصل الاحتلال حظر إدخال جميع المعدات الضرورية واللازمة، والتي من أبرزها مادة الفيبر جلاس وكوابل الجر ومولدات الكهرباء وأنواع من شباك الصيد، ما يؤزم عملية الصيد أمام آلاف الصيادين.
وبين عياش أن المركبات الكبية (اللوكس والجر) هي التي تصل تلك المسافة، بينما القوارب الصغيرة يواصل الاحتلال منعها من الدخول، وفي حال تمكنت من الإبحار، فسيتمكن مئات الصيادين الذين يستخدمون طريقة السنار من اصطياد أسماك اللوكس والجرع كبيرة الحجم وبكميات وافرة.
وعن تقسيم مساحة الصيد، بين عياش أن الاحتلال سمح للصيادين للوصول إلى مسافة 6 أميال بحرية من منطقة الواحة شمالاً وحتى ميناء الصيادين بمدينة غزة، ومسافة الـ 12 ميلاً بحرياً تمتد أمام الصيادين من الميناء وحتى منطقة الوسطى، ومنها حتى ما قبل رفح 15 ميلاً، ومن رفح حتى الحدود المصرية 12 ميلا.
وتقوم سلطة الموانئ بواجبها حيال الصيادين وموانئهم، وفق ما يخدم مصالحهم ويخدم مهماهم اليومية، حيث تدعم وجودهم في إصلاح وصيانة الموانئ الخاصة بهم وما يحتاجونه في انطلاقتهم البحرية من ترتيب وجود حسكات الصيد وما يلزم.
وكذلك توكّل وزارة الزراعة نفسها على احتياجات الصياد الفلسطيني، حيث تشرف على معداته بين فترة وأخرى، ليبقى الصياد من أولويات اهتماماتها لتلبية نواقصه قدر المستطاع، وضمن ما يمكن الحفاظ على مهنته في ممارسة الصيد.

